لا تبدو زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق حدثًا منفصلًا عن المشهد اللبناني العام، ولا تفصيلًا دبلوماسيًا يمكن التعامل معه على أنه مجرد محاولة لإعادة فتح قنوات التواصل بين دولتين جارتين. في جوهرها السياسي، تبدو تعبيرًا عن اختبار مصيري يواجه الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها أمام سؤال وجودي: كيف يمكن استعادة معنى السيادة في بلد تحوّلت حدوده من خطوط جغرافية إلى ساحات مفتوحة للتفاوض، والضغط، والتداخل الأمني المعقّد؟
في الجنوب، تواجه الدولة حدودًا مشتعلة مع إسرائيل، وخروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، وضغطًا أميركيًا يدفع نحو مسار تفاوضي لا يزال محكومًا بحسابات الداخل والخارج. وفي الشرق والشمال، تواجه حدودًا مفتوحة مع سوريا، ومعابر غير شرعية، فضلًا عن الملفات الضاغطة، من النازحين إلى السجناء وما بينهما من تداخل أمني واقتصادي لم تتعامل معه الحكومات المتعاقبة بمنطق مؤسساتي مستدام.
وبين الحدين، تقف الدولة أمام امتحان لا يحتمل الانتقائية، إذ لا يمكن الحديث عن سيادة جنوبًا، وتركها معلّقة شرقًا، ووفق المنطق نفسه، لا يمكن المطالبة بضبط قرار الحرب والسلم، من دون معالجة الفوضى التي جعلت الحدود الأخرى خارج السيطرة الكاملة للدولة. ولعلّ زيارة سلام إلى دمشق تكتسب دلالتها من هذه النقطة تحديدًا، أي من حيث القدرة على فتح نقاش جديد حول موقع الدولة في الجغرافيا اللبنانية.
بكلام آخر، فإنّ لبنان الذي يحاول اليوم أن يفاوض على أمنه جنوبًا، يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يعيد تعريف علاقته بحدوده مع سوريا، بعيدًا عن ثنائية الخضوع القديم والقطيعة العقيمة. وهذه المهمة ليست تقنية، لأنها تمسّ جوهر فكرة الدولة نفسها. فأيّ رهانات يمكن بناؤها على زيارة سلام إلى دمشق، وأيّ مخرجات متوقعة منها في هذا السياق؟ وإلى أيّ حد يمكن القول إنّ معركة الدولة تبدأ من حدودها، كاملة غير منقوصة؟!
وجهان لأزمة واحدة
منذ انتهاء الحرب الأخيرة ودخول لبنان مرحلة وقف إطلاق النار الهش، تقدّم الجنوب إلى واجهة النقاش السياسي. باتت كل الملفات تقريبًا تُقرأ من زاوية القرار 1701، وحصرية السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، والتفاوض الأمني، والضمانات الأميركية. وهذا أمر مفهوم، لأن الجنوب تحوّل إلى ساحة اختبار يومي لقدرة لبنان على منع انزلاقه إلى حرب جديدة، ولقدرة الدولة على ترجمة خطاب استعادة القرار إلى خطوات عملية.
لكن بينما يغلي الجنوب على وقع المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي وخروقات وقف إطلاق النار، تبرز الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا كخاصرة رخوة تُثقل كاهل الدولة بملفات وتحديات لا تقلّ خطورة على بنية الدولة، من التهريب والتسلّل، إلى شبكات المصالح، والاقتصاد غير الشرعي، من دون أن ننسى التوتر الاجتماعي الناتج عن أزمة النزوح، وكلّ ذلك يبقى مرتبطًا بثقل تاريخي في العلاقة، يترك ارتداداته على كل محاولة للتنسيق.
بهذا المعنى، لا يمكن الفصل بين مساري الجنوب ودمشق. صحيح أن طبيعة التحدي مختلفة، وأن الخصم في الجنوب عدو، فيما سوريا دولة جارة ذات علاقة شديدة التعقيد بلبنان، غير أن القاسم المشترك بين المسارين ليس بسيطًا. غير أنّ المفارقة هنا تكمن في "ازدواجية المعايير السيادية"، إذ لا يمكن للدولة أن تطالب بقرار الحرب والسلم جنوبًا، بينما تترك حدودها شرقًا خارج السيطرة المؤسساتية.
دمشق كاختبار للمؤسسات لا للذاكرة
تدرك الحكومة اللبنانية أن العلاقة مع دمشق محملة بإرث ثقيل من "الوصاية" والانقسامات الداخلية، وهي ذاكرة لم تقفَل بالكامل، طالما أنّ هناك ملفات لا تزال مفتوحة، ومن بينها جرح المخفيين قسرًا، الذين لم يحصل أهاليهم على إجابات شافية حتى اليوم. ولهذا السبب، فإن أي انفتاح رسمي على دمشق ينبغي أن تتمّ مقاربته بحذر، حتى يقتنع الرأي العام بأسبابه الموجبة، ولا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
غير أن الذاكرة، مهما بلغت مرارتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن واقعية السياسة. فلبنان لا يستطيع معالجة ملف النازحين من دون حوار مباشر مع السلطات السورية، ولا يستطيع ضبط حدوده البرية من طرف واحد، ولا يمكنه إقفال ملف السجناء أو المعابر غير الشرعية بالبيانات والمواقف وحدها. وليس سرًا أنّ معالجة ملفات شائكة كالنازحين، والسجناء، وضبط الحدود البرية، تتطلب حوارًا مباشرًا يخرج من عباءة "البيانات الإنشائية" إلى حيز "الآليات التنفيذية".
هنا تحديدًا يظهر الفارق بين الانفتاح الضروري والعودة إلى معادلات قديمة. ولعلّ التحدي الحقيقي أمام الرئيس نواف سلام ليس في "مبدأ الزيارة"، بل في سقفها، فالمطلوب ليس استعادة نمط العلاقة الذي حكم لبنان سابقًا، ولا تحويل زيارة رئيس الحكومة إلى تفويض مفتوح لأي تنسيق غير واضح. المطلوب أن تذهب الدولة إلى دمشق من موقع الدولة، أي بجدول أعمال محدد، وآليات متابعة، ومرجعية حكومية واضحة، وشفافية سياسية تمنع تحويل الملفات الحساسة إلى قنوات جانبية أو أوراق ضغط داخلية.
السيادة لا تُدار "بالمفرّق"
المشكلة اللبنانية أن مفهوم السيادة غالبًا ما يُستحضر بصورة مجتزأة. كل فريق يراه من زاويته، ويربطه بأولويته السياسية. فريق يختصره بسلاح "حزب الله" والجنوب، وفريق يربطه بالتهديد الإسرائيلي، وفريق يستحضره عند الحديث عن سوريا والحدود، وفريق يتعامل معه كعنوان خارجي أكثر منه مشروعًا داخليًا. لكن السيادة، في لحظة كهذه، لا يمكن أن تُدار بالمفرق، فهي على النقيض، "كلٌ لا يتجزأ".
بهذا المعنى، إذا كانت الدولة تريد أن تقول إنها صاحبة القرار في الجنوب، فعليها أن تقول الشيء نفسه عند الحدود مع سوريا. وإذا كانت تريد ضبط السلاح غير الشرعي، فعليها أيضًا ضبط الاقتصاد غير الشرعي. وإذا كانت تريد مفاوضة إسرائيل من موقع الدولة، فعليها أن تفاوض سوريا من الموقع نفسه، لا من موقع الخوف من الذاكرة ولا من موقع الحاجة الاضطرارية فقط.
باختصار، فإنّ السيادة ليست موقفًا ضد طرف محدد، وإنما قدرة الدولة على إنتاج قرارها وتنفيذه على كامل أرضها. فالخلل في الشرق يُضعف الموقف التفاوضي في الجنوب، والعجز عن ضبط المعابر ينسحب ضعفًا على هيبة الدولة ككل. لا يعني ذلك المساواة بين ملفي إسرائيل وسوريا، ولا تجاهل الفارق الجوهري بين عدو يحتل ويعتدي، ودولة جارة تربطها بلبنان علاقات شائكة. لكنه يعني أن الدولة لا تستطيع أن تستعيد نفسها إذا تعاملت مع كل حدودها كملفات منفصلة.
من هنا، يمكن النظر إلى زيارة سلام إلى دمشق بوصفها حلقة من حلقات معركة طويلة لاستعادة الدولة، لا بوصفها محطة بروتوكولية. قيمتها لا تكمن في الصورة، ولا في البيانات المشتركة، وإنما في ما إذا كانت ستنتج مسارًا واضحًا: لجان متابعة، جدولًا زمنيًا، آليات أمنية وقانونية، وضمانات في ملف النازحين والسجناء، مع إبقاء القرار في المؤسسات الرسمية لا في التفاهمات الغامضة.
امتحان الدولة المقبل
ما هو أكيد هو أنه لن تنجح زيارة واحدة، أو بيان مشترك، في إغلاق ملفات الحدود والنزوح والتهريب بلمحة بصر. لكن القيمة الحقيقية لزيارة سلام تكمن في تحويل "الضرورة الجغرافية" إلى مسار مؤسساتي مستدام، يوازن بين الواقعية والحذر، وأهميتها تكمن في قدرتها على التأسيس لمسار مختلف، إذا أحسن لبنان إدارة توازنه بين الواقعية والحذر.
الأهم أن لا تتحول زيارة دمشق إلى مادة جديدة للانقسام الداخلي، أو إلى منصة لتصفية حسابات داخلية بين من يريد فتح العلاقة بلا شروط، ومن يريد إبقاءها معلّقة بحسابات الماضي. بين هذين الخيارين، توجد مساحة ثالثة تحتاجها الدولة: علاقة واضحة، باردة، مؤسساتية، تعترف بضرورات الجغرافيا، ولا تتنازل عن دروس التاريخ.
في النهاية، معركة الدولة في لبنان لا تبدأ من خطاب السيادة وحده، وإنما من الجغرافيا. من الحدود التي يجب أن تكون مضبوطة، والمعابر التي يجب أن تكون شرعية، والقرار الأمني الذي يجب أن يكون مركزيًا، والعلاقات الخارجية التي يجب أن تُدار من المؤسسات.
لذلك، فإن زيارة سلام إلى دمشق ليست اختبارًا للعلاقة مع سوريا فقط، وإنما اختبار لقدرة لبنان على أن يتعامل مع حدوده كلها كعنوان واحد: عنوان الدولة التي تحاول أن تعود، لا من باب الشعارات، إنما من باب القدرة على الإمساك بأرضها وقرارها.