منذ سنوات طويلة تتردّد النغمة نفسها: السجون مُكتظّة إلى درجة أنّها لا تُوفّر أدنى شروط الرعاية الانسانية التي هي من حقّ أي سجين، والمُحاكمات بطيئة جدًا إلى درجة أنّ العديد من الموقوفين في السُجون منذ سنوات لم يخضعوا لأي مُحاكمة بعد، أو اقتيدوا إلى عدد قليل من الجلسات غير المُنتجة، والكثير من المَسجونين وقعوا ضحايا الصراعات السياسيّة والأمنيّة التي اجتاحت لبنان وسوريا خلال العقدين الماضيين، إلخ. قد يكون كل ما سبق صحيحًا جزئيًا، لكنّ الأصح أنّه من المرفوض تمامًا الانطلاق من هذه التبريرات للخروج بقانون عفو مُشوّه، قد يرفع الظلم عن بعض المظلومين، لكنّه في المقابل سيَظلم آلاف الضحايا! ماذا في التفاصيل؟
بداية، الاكتظاظ في السجون اللبنانية يُمثّل حقيقة مرّة، وقُدرة بعض السجون الاستيعابية، ومنها سجن رومية المركزي، فاقت ثلاثة أضعاف، وهذا أمر يستوجب المعالجة فعلًا، شأنه شأن ظروف السجن التي يُفترض أن تُوفّر الحد الأدنى من المعايير الإنسانية. والأكيد أنّ مُشكلة النقص في الجسم القضائي يستوجب بدوره إيجاد حلول جذرية، لتسريع وتيرة المحاكمات. كما يجب اتمام التوقيفات لمعاقبة مرتكبي الجرائم، وليس أصحاب الآراء السياسية! لكن كل ما سبَق، لا يُعفي كل العاملين على صياغة قانون العفو من احترام دماء كل شخص قُتل ظلمًا، ومراعاة مشاعر عائلته وأهله ومعارفه. فلا يُمكن من أجل رفع الظُلم عن بعض المَسجونين التسبّب بظلم واسع النطاق يطال آلاف الضحايا في قبورهم، وبقهر معنوي يطال عشرات الآلاف من ذويهم. وتكمن المُشكلة أنّه في كل مرّة يُطرح فيها قانون عفو في لبنان، تأخذ الأمور منحى سياسيًا، إضافة إلى المنحى الطائفي والمذهبي، بدلًا من أن تكون المعالجات مُنطلقة من الواقع المادي للسجون. والأسوأ أنّ قرارات النوّاب المعنيّين بإقرار قانون العفو أو عرقلته، تنطلق من اعتبارات انتخابية في أغلب الأحيان! يُذكر أنّ القضايا الأساسية العالقة تُختصر بما يلي:
أوّلًا: ملفّ الموقوفين الإسلاميّين (يبلغ عددهم نحو 350 سجينًا وهم من الجنسيات اللبنانية والسورية والفلسطينية)، ومن يحمل مطلب إطلاقهم أغلبيّة نيابيّة سنّية مع تأمين كل من دار الفتوى في بيروت وهيئة علماء المُسلمين الدعم لهذه الخطوات، في حين ترفض جهات عدّة، منها رئيس الجمهورية جوزاف عون، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، والتيّار الوطني الحُر التفريط بحقوق الضحايا العسكريّين الذي سقطوا في معارك مع هؤلاء الموقوفين، أو حتى بهجمات غادرة وبدم بارد منهم، في البقاع والشمال وعبرا.
ثانيًا: ملفّ الموقوفين بتهم زراعة الممنوعات والاتجار بالمخدرات، وأغلبيتهم من البقاع (يبلغ عددهم نحو 4500 سجين موزّعين على مختلف السجون في لبنان). وليس بسرّ أنّ نوّاب "حزب الله" يضغطون للعفو عن هؤلاء، وكذلك عن آلاف المطلوبين بمذكرات بحث وتحرّ في جرائم زراعة الحشيش وتعاطي المخدرات وترويجها وتصنيع الكبتاغون وتصديره، إلخ. في حين يُعارض ذلك الكثير من النوّاب الذين يُطالبون بالإفراج عن المُتعاطين الذين يستوجبون إعادة التأهيل وليس السجن، لكن مع التشدّد في مصير مُروّجي هذه الآفات الخطيرة التي تُسمّم المجتمعات وتُعكّر صفو علاقات لبنان مع دول العالم.
ثالثًا: ملف السجناء السوريّين بجرائم وتهم مختلفة (يُقدّر عددهم بنحو 2800 سجين)، والتي كانت بدأت خطوات معالجتها بفعل الضُغوط الممارسة من القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، حيث باشرت السُلطات اللبنانيّة المعنيّة اعتبارًا من 17 آذار الماضي بتسليم سوريا المئات منهم.
رابعًا: ملفّ اللبنانيّين الذين فرّوا إلى إسرائيل بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000، مع الإشارة إلى أنّ الكثير منهم انتقل بعد ذلك إلى دول يُهاجر إليها اللبنانيّون عادة، وحاز على جنسيتها، وقلّة قليلة بقيت في إسرائيل. يُذكر أنّ أحكام القانون 194/2011 الذي كان أُقرّ قبل 15 سنة، والخاص بمعالجة "أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل"، بقيت في الأدراج. وتُعوّل بعض الجهات النيابية والكنيسة المارونية على أن يشمل قانون العفو هذه الفئة من المواطنين للاستغناء عن غياب المراسيم التطبيقية الخاصة بالقانون المذكور.
خامسًا: ملف جرائم القتل والسرقة والاغتصاب وسفاح ذوي القربى والتحرّش التقليدية، وجرائم تبييض الأموال ومخالفة قانون النقد والتسليف والجرائم المالية وفي طليعتها ما هو مرتبط بحقوق المودعين، وحتى جرائم البيئة والآثار، وغيرها.
إشارة إلى أنّ اللجان المُشتركة تعمل حاليًا، بالتنسيق من خلف الكواليس مع كل القوى السياسية المعنية، على وضع التفاصيل النهائية لتسوية بشأن تحديد نوعية الجرائم التي ستبقى مُستثناة من العفو، ومدّة السنة السجنية (تبلغ حاليًا تسعة أشهر)، والسنوات السجنية التي يُمكن استبدال عقوبة الإعدام بها، وكذلك لاتخاذ القرار المناسب بشان مسألة إدغام الأحكام المُبرمة. تذكير أنّ الخلافات التي سادت في الأيّام الماضية كانت تركّزت في هذا النطاق، لأنّه مع كل استثناء يتمّ اعتماده ومع كل سقف يتمّ تحديده للسنة السجنية، تستفيد فئات من المسجونين وتتضرّر فئات أخرى. وكان التباين في الرأي قد طال أيضًا نطاق الاستثناءات التي سيشملها قانون العفو بالنسبة إلى الجرائم العادية.
في الخلاصة، وفي انتظار انعقاد جلسة اللجان المُشتركة مطلع الأسبوع المقبل، يبقى الأمل بأن تتمّ معالجة القضايا الخلافية بحسّ من المسؤولية، وليس انطلاقًا من مصالح سياسية ومذهبية وشخصيّة ضيّقة. ولا بُد من المناشدة مرّة أخرى بضرورة إبعاد الخلفيات السياسية والطائفية والانتخابية عن قرار بالغ الأهميّة، لأنّ العشوائية في إصدار أي قانون للعفو، تعني حكمًا اهتزاز الأمن المُجتمعي، وانهيار ثقة المواطن العادي بسيادة القانون والحماية التي يُفترض أن توفّرها الدولة له!




















































