أشارت "جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت"، إلى "أنّها تتابع بقلق بالغ ما رافق تدشين النّصب التذكاري الخاص بأدباء المهجر في حديقة Elizabeth Berger Plaza في نيويورك، لما تضمّنه من تهميش واضح للهويّة اللّبنانيّة لعدد من كبار الأدباء، الّذين شكّلوا ركائز النّهضة الأدبيّة العربيّة الحديثة، وفي مقدّمتهم جبران خليل جبران، أمين الريحاني، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة".
وأكّدت في بيان، "احترامها الكامل للتاريخ المشترك لمنطقة بلاد الشام والهجرات العربيّة إلى الولايات المتحدة الأميركية في بدايات القرن العشرين"، معتبرةً أنّ "تجاهل الانتماء اللّبناني الواضح لهؤلاء الأدباء، يشكّل إساءةً ثقافيّةً ومعنويّةً لتراث لبنان الفكري والأدبي، خاصةً أنّ أسماءهم معروفة عالميًّا باعتبارها من أبرز رموز الثّقافة اللّبنانيّة في العالم".
وأعربت الجمعيّة عن إدانتها بشدّة "غياب أي حضور أو مشاركة رسميّة لبنانيّة في المشروع، رغم أنّ أغلبيّة الشّخصيّات المُحتفى بها تنتمي إلى لبنان تاريخًا وهويّةً وثقافةً"، لافتةً إلى أنّ "من المستغرب أنّ لبنان، الدّولة الّتي أنجبت هؤلاء الأدباء، لم يتلقَّ حتى دعوة للمشاركة في المسابقة الفنيّة الخاصة بتخليد ذكرى المهاجرين الأوائل، في حين ظهر فجأةً اسم فنّانة تشكيليّة فرنسيّة من أصل مغربي بوصفها الفائزة بتنفيذ العمل، من دون أي توضيحات شفّافة حول آليّة الاختيار أو طبيعة المعايير المعتمَدة".
وأوضحت أنّ "الاعتراض لا يرتبط بالأصول الشّخصيّة للفنّانة، بل بمبدأ تغييب الفنّانين اللّبنانيّين وإقصائهم عن مشروع يوثّق ذاكرة أدباء ارتبطوا وجدانيًّا وروحيًّا وثقافيًّا بلبنان، وبصورة خاصة بطبيعة جبل لبنان الّتي انعكست بوضوح في كتاباتهم ورسائلهم الإنسانيّة. ومن المؤسف أنّ الخلل لم يبدأ فقط عند تنفيذ المشروع، بل منذ المراحل الأولى المرتبطة بآليّة التواصل والتمثيل الرّسمي اللّبناني".
كما ذكرت أنّ "بحسب المعلومات المتداولة، فإنّ قنصل لبنان في نيويورك مجدي رمضان، وهو عضو في "Washington Street Historical Society" المرتبطة بالمشروع، لم يقم بإبلاغ وزارة الثقافة اللبنانية أو الجهات الثّقافية الرّسميّة في لبنان بموضوع المسابقة الفنيّة الخاصة بالنّصب التذكاري، ما أدّى إلى غياب أي مشاركة لبنانيّة فعليّة في مشروع يتصل مباشرةً بواحدة من أهمّ الصفحات الثّقافيّة في تاريخ الاغتراب اللّبناني".
ورأت الجمعيّة أنّ "هذا التقصير ساهم في تغييب الفنّان اللّبناني والمؤسّسات الثّقافيّة اللّبنانيّة عن مسار كان يُفترض أن يكون لبنان شريكًا أساسيًّا فيه، سواء على مستوى الرّؤية الفنيّة أو السرديّة التاريخيّة أو الهويّة الثّقافيّة الّتي يمثّلها العمل".
وأضافت أنّ "من النّاحية الفنيّة، يعتمد العمل على مقاربة تجريديّة وخطّية معاصرة ترتكز على الرّمزيّة البصريّة للحرف والكلمة، إلّا أنّه يبدو منفصلًا عن البيئة الثّقافيّة والبصريّة الّتي شكّلت وجدان أدباء المهجر اللّبنانيّين. فالعمل يفتقر إلى أي استحضار واضح لطبيعة جبل لبنان، وللعناصر الإنسانيّة والرّوحيّة الّتي طبعت كتابات جبران والريحاني ونعيمة وسواهم، سواء عبر المادّة أو الشّكل أو التكوين".
وركّزت على أنّ "الطابع البصري العام يبدو أقرب إلى تركيب زخرفي معاصر ذي هويّة عابرة، أكثر منه عملًا يستحضر ذاكرة الهجرة اللّبنانيّة الأولى وتجربتها الوجدانية العميقة"، مؤكّدةً أنّه "كان من المفترض أن يحمل النّصب مفردات مستوحاة من البيئة اللّبنانيّة التّي خرج منها هؤلاء الأدباء: الجبل، الحجر، الأرز، القرى، أو حتى البُعد التأمّلي والإنساني الّذي ميّز أدبهم، بحيث يشعر المتلقّي بأنّه أمام عمل يروي سيرة المهاجر اللّبناني، لا مجرّد تكوين بصري رمزي عام".
وأشارت الجمعيّة إلى أنّ "عليه، فإنّ الإشكاليّة ليست فقط في التوصيف التاريخي، بل أيضًا في غياب الترجمة الفنيّة الصادقة لروح أدباء المهجر اللّبنانيّين وهويّتهم الثّقافيّة والبصريّة"، مبيّنةً أنّ "هؤلاء المبدعين قد حملوا لبنان في لغتهم وفكرهم ورسائلهم الإنسانيّة، وأسهموا في تعريف العالم على الهويّة الثّقافيّة اللّبنانيّة، وكان لهم الدّور الأكبر في تأسيس أدب المهجر والرّابطة القلميّة الّتي غيّرت وجه الأدب العربي الحديث".
وشدّدت على أنّ "إزاء خطورة تثبيت هذه السرديّة بشكل رسمي في مدينة نيويورك، تدعو الجمعيّة وزارة الثقافة اللبنانية، ووزارة الخارجية والمغتربين، والحكومة اللبنانية، إلى التحرّك العاجل والفوري قبل اعتماد المشروع بصورة نهائيّة من قبل بلدية نيويورك، والعمل دبلوماسيًّا وثقافيًّا لتصحيح الوقائع التاريخيّة، وضمان الاعتراف الواضح بالهويّة اللّبنانيّة لأدباء المهجر، وإشراك المؤسّسات الثّقافيّة والفنيّة اللّبنانيّة في أي مشروع مستقبلي يتعلّق بذاكرة الهجرة اللّبنانيّة إلى الولايات المتحدة".
ودعت أيضًا الجاليات اللّبنانيّة في العالم، والمؤسّسات الثّقافيّة والأكاديميّة، إلى "توحيد الجهود دفاعًا عن الإرث الثّقافي اللّبناني، وحماية رموزه الفكريّة من التهميش أو إعادة التوصيف".
وكانت "النشرة" كانت قد أثارت هذا الموضوع الفضيحة، مسّلطة الضّوء على الدّعوات لتحرّك لبناني رسمي عاجل لرفض المشروع بكامله، وفتح تحقيق شفّاف في كلفته ومساره، وحماية ذاكرة المهاجرين وصورة لبنان الثّقافيّة.