الشوكة تغرس في جبهتها كمسمارٍ يسبب لها وجعاً لا يُحتمل. زوجٌ قاسٍ يبطش بها، وولدان يفارقان الحياة قبل أن ينجرا إلى الانتقام، وعصا يابسة تتحوّل على البلاط القاسي إلى وردةٍ نضرة. في هذه الأيام الصعبة، نسأل الله أن يُزهر لبنان سلاماً، واتفاقاً، وأمناً، واستقلالاً، ووحدةً وطنية.
وُلدت القديسة ريتا عام 1381 قرب مدينة كاشيا في إيطاليا، لأبوين تقيّين يعمّهما روح المصالحة والتقوى. ومنذ صغرها، مالت إلى الصلاة والصمت وخدمة الفقراء، مع رغبةٍ جامحة في تكريس حياتها لله. إلا أن والديها زوجاها من رجلٍ عنيد، متورّطٍ في نزاعات الثأر السائدة آنذاك.
عاشت ريتا مع زوجها بالمحبة والصبر والوداعة والدعاء المستمر، فاستجاب الله لصلواتها وتاب زوجها، لكنه قُتل لاحقاً في نزاعٍ دموي. وخوفاً على ولديها من أن ينجرّا إلى دوامة الثأر، ألحّت في صلاتها أن ينجّيهما الله من هذه الخطيئة، فتوفّيا بمرضٍ مفاجئ قبل أن يرتكبا أي إثم.
وهكذا وجدت ريتا نفسها وحيدة، تحزن لفقدان زوجها وابنيها. فطلبت الانضمام إلى دير راهبات القديس أغسطينوس، فرفضن طلبها في البداية بسبب ارتباط عائلتها بدماء الثأر. لم تيأس، وسعت جاهدةً إلى مصالحة العائلات المتخاصمة ووقف دورة الانتقام، ونجحت بفضل صلواتها الحارة. وعندها قُبلت في الدير، بعد أن أثمرت عصا يابسة غرستها على بلاط الدير وروداً زاهية، دلالةً على قبولها. فعاشت حياة صلاةٍ وتقشّفٍ وتأملٍ عميقٍ لأكثر من أربعين عاماً. وذات يوم، بينما كانت تتأمّل أمام المصلوب، شعرت بشوكةٍ من إكليل المسيح تغرس في جبهتها، مخلّفةً جرحاً عميقاً رافقها بقية حياتها كعلامة محبةٍ وألمٍ مقدّس.
توفيت عام 1457، وانتشرت سمعتها الطيبة كقديسة الرجاء، وشفيعة للأمور الصعبة والمستحيلة. فقد حوّل الله القساوة في حياتها إلى محبة، والعنف إلى سلام، والجراح إلى قداسة، واليأس إلى رجاء.
عاشت ريتا روحانية المصالحة في عالمٍ مليء بالانتقام والخصومات، وعلمتنا مع المسيح كسر دوامة الكراهية، ورفض روح الثأر، وبناء جسور المحبة والمسامحة والغفران. تقدّست في حياتها اليومية كزوجة، وأم، وأرملة، وراهبة، ورسالتها بالغة الحداثة اليوم. فهي تقول لنا: لا تدعوا الشرّ والكراهية يملآن قلوبكم. وأمام اليأس، تهمس لنا: اصبروا، حاوروا، اغفروا، وصلّوا. وفي عصر السرعة والسطحية، تذكرنا بقوة الصمت، والتأمل، والثبات على الصلاة.
أما الجراح الشخصية، فتعلّمنا أن نسلّمها لله، لنحوّلها إلى ينبوع نعمةٍ لنا وللآخرين. يا قديسة ريتا، سهّلي أمورنا الصعبة، وافتحي الأبواب المغلقة أمامنا، وامنحي الصحة والسلام لبلادنا الحبيبة لبنان، بشفاعتك يا شفيعة المستحيلات.
في الثاني والعشرين من شهر أيار تحتفل الكنيسة الكاثوليكيّة بيوم القديسة ريتا. عيدٌ مباركٌ لكل من يحمل اسمها الطاهر.
يا قديسة الله، أتمنى دوماً نيل شفاعتك، حاملين أيقونتك في قلوبنا.