لم يكن جبران خليل جبران ورفاقه في المهجر شعراءَ منفى يذرفون دموع الحنين على "جبلٍ" بعيد، بل كانوا ثوارًا أشعلوا الكلمة في وجه السلطنة العثمانية، وحملوا جبل لبنان والمنطقة قضيةً في بداية القرن العشرين. من نيويورك أعلنوا تمرّدهم على الجوع والقهر والاستبداد، ورفعوا أصواتهم دفاعًا عن شعبٍ تُرك فريسةً للمجاعة والظلم. كتبوا بوجع المنفيّين، وغضب الأحرار، وإيمان الرجال الذين أدركوا أن الوطن لا يُستعاد بالصمت. كانوا جبهةً سياسية وفكرية تقاتل بالحرف كمن يُقاتَل بالبندقية.
لم تكن البلاد مجرد جغرافيا في هذا الشرق المعذّب، بل كانت إسمًا جامعًا، قبل أن تُرسم الحدود. من دمشق إلى جبل لبنان، ومن فلسطين إلى الأردن، عاش هؤلاء أربعة قرون تحت الحكم العثماني، حيث لم يكن الاستبداد حادثًا عابرًا، بل كان نظامًا كاملاً يُحكم القبضة على الأرض والإنسان. حتى قال أحمد شوقي ما يشبه النعي المبكر لشرقٍ كامل: "كلّنا في الهمّ شرقُ".
ولم تقف حدود هذا الظلم عند المشرق، بل تمددت الى أوروبا، الى ألبانيا والبوسنة واليونان وبلغاريا، في مشهدٍ إمبراطوريّ ثقيل الظل. غير أن المأساة في جبل لبنان حملت طابعًا وجوديًا لا يُختصر: ثلث الشعب مات، وثلث هاجر وثلث بقي. ومن هذا الثلث الأخير وُلدت ذاكرة البقاء، ذاكرةٌ لا تُقرأ في الكتب فقط، بل تُورّث في الدم.
المجاعة الكبرى لم تكن قدرًا، بل سياسة. جبران خليل جبران لم يكتب شعرًا حين قال عام 1916 في رسالته الى ماري هاسكل بتاريخ ٢٦ أيار ١٩١٦ إن شعبه أبناء الجبل ودمشق وفلسطين "يهلكون في مجاعة خططت لها الحكومة التركية" (كتاب توفيق الصايغ أضواء جديدة على جبران، دار رياض الريس)، وفي إحدى رسائله الى هاسكل قال أيضًا: "مات أهلي على الصليب"، كأنّ الموت لم يكن نهاية، بل كان سؤالًا مفتوحًا في وجه التاريخ.
انطلقت الهجرة الأولى، في منتصف القرن التاسع عشر، هجرة أبناء جبل لبنان. لم تكن هجرة أفراد، بل اقتلاع شعب. عبَرَ اللبنانيون الأطلسي إلى الأميركتين وأفريقيا وأستراليا، حاملين أسماءهم القديمة وهويةً جديدة لم يختاروها أحياناً. في "إيليس آيلاند" في نيويورك، وعلى شواطئ دول أميركا اللاتينية، لم يُسألوا من أنتم، بل قيل لهم: أنتم "توركو". حتى جبران نفسه سُجّل: تركي. وُلد لقب "توركو"، الذي لا يزال يلاحق أبناء سوريا لبنان وفلسطين في أميركا اللاتينية حتى اليوم، كأثرٍ لغويّ لحكمٍ سياسي.
في نيويورك، المهاجرون لم يذوبوا، بل أعادوا تشكيل أنفسهم. قامت "سوريا الصغرى"، كواحة التقاء ثقافي، اجتماعي، تجاري صنعه أبناء جبل لبنان بنسبة ساحقة، ومعهم قلة من دمشق. هناك، وُلدت "الرابطة القلمية"، لا كمجرد حلقة أدبية، بل كجبهة فكرية، حملت همّ الهوية… والحرية !
في قلب "سوريا الصغرى" في نيويورك الوطن البديل، كان جبران: الشاعر الذي لم يكتفِ بالكلمات، بل حوّلها إلى فعل. كان يعيش ثلاث جبهات في يوم واحد: كتابة، رسم ونضال سياسي. من خلال لجان نُسبت اليه، الأولى "إغاثة سوريا وجبل لبنان" في نيويورك، حيث شغل منصب أمين السر ثم المتحدث الرسمي، انخرط في عملٍ دبلوماسي مبكر، يشرح فيه للحكومة الأميركية حقيقة ما يجري. والثانية: "جبهة المركزية لتحرير سوريا ولبنان"، كان أمين الريحاني الى جانبه، يتولى المراسلات بالإنكليزية، فيما تولى جبران العربية، في تناغمٍ يعكس وعيًا استراتيجيًا نادرًا في زمنٍ بلا دول.
وبعد تواصله مع الحكومة الأميركية، قال جبران بوضوح لإميل زيدان، في "الهلال" عام 1919، إن الولايات المتحدة لا تريد أن تعارض مشاريع أوروبا في الشرق. كان يدرك أن العالم يُدار بالمصالح، لا بالمثاليات. جبران الرافض لاستعمار بديل، طالب برعاية محدودة تتيح النهوض الاقتصادي والزراعي، مقابل استقلال معنوي، وبناء حكم نيابي وتعليم إلزامي، وتثبيت العربية كلغة أولى. كان مشروعه مشروع دولة قبل قيام الدولة.
لكن قبل 1920، لم تكن الهويات قد استقرّت. كان المهاجرون في حيرة: ماذا نسمّي أنفسنا؟ عرب؟ أتراك؟ سوريون؟ ميخائيل نعيمة يروي في "سبعون" هذا الارتباك، وكيف اختار كثيرون تسمية "سوريين" هربًا من تصنيفات سياسية منها عرب وأخرى أتراك. لم تكن المسألة لغوية فقط، بل دفاعًا عن الذات.
في المهجر، انعكس هذا الصراع على الصحافة. جريدة "الهدى"، بقيادة نعوم مكرزل الذي وصل نيويورك عام 1888، كانت تنادي بفصل لبنان عن سوريا. في المقابل، كانت "السائح" تتحدث باسم سوريا الكبرى. لم يكن الخلاف تفصيلاً، بل صراع رؤى: بين من يرى الهوية في الجبل، ومن يراها في الجغرافيا الأوسع.
أما جبران، فبقي طويلًا من دعاة "سوريا الجغرافيّة"، ونقل هذا التصور إلى الأميركيين. لكنه، مثل غيره، اصطدم بواقع السياسة الدوليّة، وبولادة كيان جديد: دولة لبنان الكبير عام 1920، برعاية البطريرك يوسف الحويك. هنا، لم يتراجع جبران، بل كتب مقالته الشهيرة في مجلّة "الهلال": "لكم لبنانكم ولي لبناني". عبارة تختصر انتقالًا فكريًا من الحلم إلى الواقع، ومن الفكرة إلى الانتماء.
حتى هذه العبارة لم تمرّ بسهولة؛ ولم يسمح الانتداب الفرنسيّ بتوزيع المجلة في لبنان وسوريا إلاّ بعد أن نُزِعَت منها مقالة جبران. وهذا بحد ذاته دليل على أن الكلمة كانت فعلًا سياسيًا، لا مجرد رأي.
اليوم، بعد أكثر من قرن، يعود الالتباس ذاته، لكن من دون مبرراته التاريخية. ما كان مفهومًا قبل قيام الدول، يصبح اليوم خطأً. تصنيف الرابطة القلمية في نيويورك تحت هوية "سوريّة" ليس مجرد خطأ إداري، بل إنكار لمسارٍ كامل من تاريخ هجرة أبناء جبل لبنان الذين فتحوا هجرة العرب الى الأميركتين.
جبران المناضل من أجل الحرية، إبن بشرّي، رفض ان يستلم حقيبة وزارة التربية في عهد صديقه الرئيس أيوب تابت، في آذار ١٩٤٣، مفضلاً وزارة التأليف والرسم. نعيمة الأديب إنصرف الى بسكنتا في المتن حيث أمضى آخر أيامه متأملاً وناسكاً في الشخروب في حضرة الكتابة. اما الريحاني، فقد دُفن في مسقط رأسه الفريكة بعد حادث أليم تعرض له. وإيليا أبو ماضي ورشيد أيوب وغيرهم فأمضوا حياتهم في بروكلين-نيويورك ودفنوا فيها الى جانب عائلاتهم.
الحقيقة واضحة، الغالبية الساحقة من مؤسسي الرابطة هم من أبناء جبل لبنان، وهم الذين صنعوا أدب المهجر، وهم الذين حملوا اسم دولة لبنان الى العالم. وهذا ليس خطابًا عاطفيًا، بل حقيقة موثّقة في كتاباتهم، وفي شهادات معاصريهم، وفي ما وثقته الكاتبة الأميركية "بربارة يونغ" عن سيرة جبران في كتاب أطلقت عليه عام ١٩٤٥: "هذا الرجل من لبنان".
إن إعادة خلط هذه الحقائق اليوم، تحت أي ذريعة، هو تزييف لا يليق بمدينة كبرى مثل نيويورك، ولا بتاريخٍ كُتب بالدموع والهجرة والقلم. والأسوأ من الخطأ، هو الصمت عنه، أو تقديمه مجاملةً.
"الرابطة القلمية" ليست إسمًا على حجر او "تنكاً أصفر" كما فعلت بلدية نيويورك وجمعية واشنطن ستريت، بل ذاكرة نضال. سوريا الطبيعية التي أكسبَتهم هويّتها في القرن التاسع عشر، هي غير "الجمهورية السوريّة" اليوم. أدباء لبنان، الذين كُتبَ على جبينهم في الأميركتين "توركو"، كتبوا أنفسهم لبنانيين. هي شهادة شعبٍ خرج من المجاعة ومن جهنّم "سفر برلك" ، وعبَرَ البحر، وبنى لنفسه مكانًا في العالم، لا كجالية، بل كقوة فكريّة وثقافيّة.
ومن هنا، فإن تصحيح هذا الخطأ ليس مطلبًا رمزيًا، بل واجب تاريخي. لأنّ الأمم التي تُخطئ في تسمية ماضيها، تُخطئ في فهم حاضرها... ومستقبلها.