وقّع قداسة البابا لاون الرابع عشر، في الثاني والعشرين من أيار 2026، مرسوم إعلان البطريرك إلياس الحويّك طوباوياً، بعد موافقة المجمع وقداسة البابا على المعجزة المنسوبة إليه. فكان هذا الحدث نعمةً كبرى للكنيسة المارونية و​لبنان​، وتكريماً لمسيرة بطريركٍ طبَع تاريخ الوطن والكنيسة بالإيمان والرجاء والنضال.

إنه البطريرك الماروني الثاني والسبعون، الذي امتدت حبريته بين عامي 1899 و1931. وُلد في بلدة حلتا البترونية في الرابع من كانون الأول 1843، ورُسم كاهناً سنة 1870، ثم رُفع إلى السلك الأسقفي سنة 1889. وفي عام 1896 أسّس ​رهبانية العائلة المقدسة المارونيات​ في عبرين. نُصّب بطريركاً على أنطاكية وسائر المشرق في التاسع من كانون الثاني 1899، وأنشأ أبرشيتي مصر وقبرص.

حافظ البطريرك الحويّك على الشركة الكنسية مع روما، ونسج أطيب العلاقات مع سائر الكنائس، فكان رجلاً منفتحاً، داعياً إلى الوحدة والحوار.

وفي الصرح البطريركي في بكركي، نظّم الحياة الرهبانية المشتركة، وضبط أوقات الصلاة، وأطلق الرياضات الروحية السنوية للمطارنة. وكان في طريقه إلى الكنيسة للصلاة المشتركة يدعو الجميع إليها، ضارباً الأرض بعصاه، في علامة على غيرته الروحية وحرصه على الحياة النسكية والصلاة الجماعية.

وخلال سنوات الحرب والمجاعة، حمل همّ شعبه وآلامه، فدعا المؤمنين إلى الصلاة والتضرّع، مردّداً معهم: «ارحم يا رب شعبك، ولا تسخط علينا إلى الأبد»، و«إلهي، اجعلني أعيش وأموت برضاك».

عاصر البطريرك الحويّك مراحل مصيرية من تاريخ لبنان: عهد المتصرفية، والحرب العالمية الأولى، والمجاعة الكبرى، والمفاوضات من أجل الاستقلال، والانتداب الفرنسي. وقد حاول السفاح ​جمال باشا​ نفيه والتضييق عليه، لكنه فشل أمام صلابة البطريرك وثباته. فتلاقيا في صوفر سنة 1915، ثم بعد إعدامات بيروت ودمشق سنة 1916، ومرة ثالثة في بحمدون سنة 1917. وفي سنة 1918 احتجزه في قرنة شهوان تمهيداً لنفيه مجدداً، غير أن تدخل الفاتيكان والنمسا حال دون ذلك.

وبعد انهيار الحكم العثماني في بيروت ودمشق في تشرين الأول 1918، حاولت فرنسا، عبر المراسلات بين بكركي و​جورج بيكو​، إقناع البطريرك بفكرة الوحدة مع سوريا، إلا أن جوابه جاء حاسماً وثابتاً بالمطالبة باستقلال لبنان الكامل، وسيادته، وتعدديته، ووحدة أراضيه.

ومن سنة 1918 حتى 1926 خاض مفاوضات شاقة ومضنية دفاعاً عن الكيان اللبناني واستقلاله، رغم تضارب المصالح وخيانة البعض. لكن إصراره، إلى جانب الوطنيين الأحرار، ساهم في تحقيق حلم إعلان دولة لبنان الكبير. وظلّ يناضل حتى سنواته الأخيرة، فأصدر سنة 1930 منشوره الشهير «محبة الوطن»، مؤكداً أن لبنان رسالة حرية وكرامة وعيش مشترك.

إنه بطريرك لبنان الكبير، رجل الحوار والتلاقي، وأبو الفقراء والمحتاجين، وصاحب مسيرة حافلة بالإنجازات الوطنية والكنسية والروحية. إنه رجل العظائم، كما وصفه غبطة البطريرك الكاردينال ​مار بشارة بطرس الراعي​.

مبارك لراهبات العائلة المقدسة المارونيات، وللكنيسة المارونية، وللصرح البطريركي، ولبنان، هذا المجد الروحي الكبير. والشكر لله على نعمة تطويب البطريرك المؤسس إلياس الحويّك، شفيع الطائفة والكهنة ولبنان، وعلامة بركة وشفاء ورضاء إلهي على لبنان والبطريركية ومن يرعاها.

حَمَى الله كنيسة البطاركة القديسين، من يوحنا مارون إلى إرميا العمشيتي، والبطريرك حجولا، والبطاركة الشهداء الحدشيتي، والبطريرك الدويهي، والبطريرك الحويّك، لتبقى كنيسة الشهادة والقداسة والرجاء في هذا المشرق.