أقيم في كنيسة سيّدة الرجاء – الفنار، قدّاسٌ على نية أبناء بلدة يارون، ترأّسه رئيس أساقفة صور للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر، بحضور السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا. وقد عاونه في الخدمة كاهن الرعية الاب بطرس لحود، والأب شارلي ناكوز، والأب ماريوس خيرالله، والأب ريشار فرعون، وذلك بمشاركة ممثّلين عن الجمعيات المانحة، وحشدٍ من أبناء يارون والمهجّرين منها، في لقاءٍ حمل أبعادًا روحيةً وإنسانيةً عميقة.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى المتروبوليت اسكندرعظةً قال فيها: "نجتمع اليوم في هذا السبت المبارك، سبت الأموات، عشية عيد العنصرة، حاملين في قلوبنا ذكرى الراقدين على رجاء القيامة، وحاملين أيضًا وجع الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون السلام والعودة والطمأنينة".
أضاف :"في سبت الأموات، لا تقف الكنيسة أمام الموت بيأس، بل بإيمان تصلّي للراقدين، وتواسي الأحياء، وتعلن أن الله لا يترك أبناءه في الظلمة وهذا ما نحتاج إليه اليوم في يارون والجنوب: رجاءً لا يُنْكِرُ الوجع، وإيمانًا لا يهرب من الحقيقة، ومحبةً تتحوّل إلى فعلٍ ملموس".
وتابع :"شعار لقائنا اليوم يقول: «يارون تصلّي... وشركاء المحبة يساندون الرجاء». وهو ليس شعارًا احتفاليًّا، بل حقيقة نعيشها. يارون التي عرفت الخوف والنزوح والدمار لم تفقد صوت الصلاة. قد تُجرح البيوت والمؤسسات ودور العبادة، لكن الرسالة لا تموت ما دام هناك شعب يصلّي، وكنيسة ترافق، وأصدقاء يساندون".
وأردف: "في الإنجيل يقول الرب يسوع: «إن عطش أحد فليأت إليّ ويشرب». وكم نحن اليوم عطاشى إلى السلام، إلى الأمان، إلى العودة، إلى العدالة، وإلى كلمةٍ صادقةٍ تقول للناس إنهم ليسوا متروكين. والرب لا يقدّم لنا تعزيةً عابرة، بل يهبنا روحه القدوس، روح الحياة، القادر أن يحوّل الخوف إلى ثبات، والانتظار إلى صلاة، والجرح إلى بداية رجاء. ومن هنا، أودّ أن أتوقف بمحبةٍ وامتنانٍ خاصين أمام دور المؤسسات المانحة والشريكة في رسالة المحبة. فحضوركم بين أبناء يارون ليس حضورًا شكليًّا، بل علامة وفاءٍ ومسؤوليةٍ ورجاء. أنتم لا تقدّمون مساعدةً عابرة، بل تساهمون في تثبيت الإنسان في أرضه، وفي حماية الذاكرة، وفي منع القرى الجريحة من أن تتحوّل إلى أماكن منسيَّة".
وقال :"إن ما تقدّمونه لا يُقاس فقط بالأرقام والمشاريع، بل بما يتركه في قلب العائلات من شعورٍ بأنها ليست وحدها. فحين تُدعَم عائلةٌ متعبة، وحين يُرمَّم بيتٌ متضرر، وحين تُحمى مؤسسةٌ تربوية أو صحية أو رعوية أو دار عبادة، فأنتم لا تعيدون بناء الحجر فقط، بل تعيدون إلى الناس ثقتهم بالحياة، وتقولون لهم إن المحبة تستطيع أن تقف حيث تركت الحرب وجعًا وخرابًا".
وتوجه بالشكر لمن قدم المساعدة للأهالي في يارون قائلا :"نشكركم اليوم، لا باسم الكنيسة وحدها، بل باسم كل عائلةٍ تنتظر العودة، وكل طفلٍ يحلم ببيتٍ آمن، وكل مسنٍّ يريد أن يختم عمره في قريته، وكل مؤمنٍ يريد أن تبقى الأجراس مرفوعةً والصلاة حيّةً في هذه الأرض. إن شراكتكم معنا هي شراكة في حماية الإنسان، وفي صون الحضور، وفي تحويل الرجاء من كلمةٍ جميلة إلى خبزٍ ودواءٍ وسقفٍ ومدرسةٍ وكنيسةٍ وطريق عودة. وفي هذا السياق، أرفع نداءً مختصرًا وواضحًا إلى الدولة اللبنانية والحكومة، وإلى المجتمع الدولي وكل أصحاب الإرادة الصالحة: احموا ما تبقّى من البيوت والمؤسسات ودور العبادة في قرانا الجنوبية. ثبّتوا حق الأهالي في العودة الآمنة والكريمة إلى أرضهم. وساهموا بجديةٍ وسرعةٍ في تأمين الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، لأن الناس لا يريدون أن يعيشوا على الذكريات، بل أن يعودوا إلى الحياة. كما نطالب الدولة اللبنانية بأن تتحمّل مسؤولياتها كاملةً في ضبط الأمن، وترسيخ الاستقرار الدائم في الجنوب، بما يضمن لأبنائه أن يعيشوا في أرضهم بكرامةٍ وطمأنينةٍ، بعيدًا عن الخوف والقلق والتهديد الدائم".
ووجّه تحية "محبةٍ وتقديرٍ إلى السفير البابوي المطران باولو بورجيا، الذي يشكّل حضوره بيننا علامةً حيّةً على قرب الكنيسة الجامعة من أبنائها المتألمين، وصلاةً صامتةً تحمل وجع الجنوب إلى قلب الكنيسة. ولا يسعنا، في هذا السياق، إلا أن نستذكر بمحبّةٍ وامتنانٍ المبادرة التي قام بها مؤخرًا، إذ أتاح لمطارنة الجنوب وكهنته، الثابتين مع أبنائهم في خدمة الرعايا، أن يلتقوا بقداسة البابا لاوون الرابع عشر عبر اتصالٍ مرئي. وقد كانت تلك الإطلالة الأبوية رسالة قربٍ وتعزيةٍ، أكّد فيها قداسته محبته وصلاته واهتمامه الدائم بالجنوب وبمسيحييه. إن حضوركم معنا اليوم، سعادة السفير، يقول لأبناء يارون إن وجعهم مسموع، وإن صلاتهم ليست معزولة، وإن الكنيسة، أمًّا وراعيةً، لا تنسى أبناءها ساعة المحنة".
كما شكر "قدس الأب بيار لحود، كاهن رعية سيّدة الرجاء – الفنار، على استضافته الأخوية ومحبته الصادقة، إذ فتح أبواب هذه الكنيسة لأبناء يارون، فصارت الرعية اليوم بيتًا للصلاة والرجاء واللقاء. ومن خلاله أوجّه تحية محبةٍ وتقديرٍ إلى أخي صاحب السيادة المطران جورج بقعوني، راعي هذه الأبرشية العزيزة، شاكرًا له احتضانه الأخوي لهذه المبادرة، ولغيرها من المبادرات التي تتصل بأبرشية صور، مقدّرًا صلاته وقربه الدائمين من وجع الجنوب وأبنائه".
وحيا "كاهن رعية يارون الأب شارل نداف، ومن خلاله إلى أبناء يارون الصامدين في رميش وعين إبل. أبونا شارل، إن ثباتك في خدمتك إلى جانب أبنائك هو شهادة كهنوتية حيّة، تؤكّد أن الراعي الحقيقي لا يرافق شعبه من بعيد، بل يبقى قريبًا منهم، حاضرًا في وجعهم وصلاتهم ورجائهم، يحمل معهم ثقل الأيام، ويذكّرهم بأن الكنيسة لا تغادر أبناءها ساعة المحنة. كما أحيّي تلفزيون لبنان وقناة نور الشباب على نقلهما هذا الاحتفال، لكي يصل صوت الصلاة والرجاء إلى كل بيت، ولكي تبقى قضية الجنوب حيّةً في ضمير الوطن والعالم. فالإعلام، حين يحمل الوجع بأمانة والرجاء بصدق، يصبح جسرًا بين القلوب، وصوتًا لمن لا يريد أن يُنسى".
وقال:"غدًا تحتفل الكنيسة بعيد العنصرة، عيد الروح القدس الذي نزل على جماعةٍ خائفةٍ وحوّلها إلى جماعة رجاءٍ وشهادة. ونحن أيضًا نصلّي الليلة كي يحلّ الروح القدس على جنوبنا الجريح، على كل بيتٍ متعب، على كل عائلةٍ نازحة، على كل طفلٍ خائف، على كل شابٍ قلق، وعلى كل مسؤولٍ يحمل أمانة القرار. نصلّي كي يبقى أهلنا متجذرين في أرضهم، وكي تبقى كنائسنا عامرةً بالصلاة، وكي لا يتحوّل الجنوب إلى ذاكرة ألم، بل إلى أرض قيامةٍ جديدة. ونصلّي كي لا يموت الرجاء في قلوب الأحياء، كما نصلّي للراقدين أن يريحهم الرب في نور وجهه. في سبت الأموات، نؤمن أن الله إله الحياة، وأن الظلمة لا تنتصر على النور، وأن المحبة أقوى من الحرب، والرجاء أقوى من الخوف، والقيامة أقوى من الموت. يارون تصلّي... والرجاء ما زال حيًّا وشركاء المحبة يساندون الرجاء، لأن الله لا يترك شعبه".
وختم شاكرا المؤسسات والهيئات التالية: بلدية يارون، بلدية الفنار، البعثة البابوية، ACN – Église en détresse، Œuvre d'Orient، SOS Chrétiens d'Orient، منظمة فرسان مالطا في لبنان، أبرشية سيدني، أستراليا ونيوزيلندا وكل أوقيانوسيا، للروم الكاثوليك بشخص راعيها أخي سيادة المطران روبير رباط وكل أبنائها ومحسنيها، الراهبات الباسيليات المخلصيات بشخص الرئيسة العامة، الأم غلاديس صباغ، جمعية يسوع ومريم ورفاق الدرب، Ordre Militaire et Hospitalier de Saint-Lazare de Jérusalem – Commanderie de Paris–Île-de-France، كاريتاس لبنان، جمعية سطوح بيروت – داليا داغر، جمعية حياة محبة في لبنان، جمعية بسمة، Notre-Dame Mère de la Lumière، رعية Saint-Julien-le-Pauvre في باريس، وجميع الأيادي البيضاء في لبنان وبلاد الانتشار".
وعقب انتهاء القدّاس، وجّه السفير البابوي كلمة شكرٍ إلى المتروبوليت جورج إسكندر لدعوته إلى المشاركة في هذه الذبيحة الإلهية مع أبناء يارون، مؤكّدًا أنّه "صحيحٌ أنّ البيوت قد هُدمت، والمؤسسات والكنيسة تضرّرت، إلا أنّكم ما زلتم موجودين، وأنتم الكنيسة الحيّة".
وأشار إلى أنّ "قداسة البابا يُولي أبناء يارون اهتمامًا كبيرًا، ويتابع أوضاعهم بمحبةٍ أبوية، سواءٌ من خلال ما يرسله من أدويةٍ ومساعدات، أو عبر دبلوماسية الكرسي الرسولي التي تعمل من أجل تحقيق السلام وتأمين عودتهم إلى أرضهم بكرامةٍ وأمان".
كما أكّد لهم أنّهم "حاضرون دائمًا في صلاة قداسة البابا، وأنّهم سيتغلّبون على كلّ الأزمات بقوّة الإيمان والرجاء".
وبعد القدّاس، انتقل الحاضرون إلى القاعة الراعوية، حيث كانت مناسبةٌ للقاء والمصافحة، والاطلاع عن قربٍ على أوضاع أبناء يارون والنازحين منها، في أجواءٍ طبعتها الأخوّة والتضامن الروحي والإنساني.