التأرجح الذي شهدته منطقتنا العربية بين حالي الحرب والسلام خلال السنوات الماضية مُرشّح للاستمرار في المدى المنظور، بموازاة فترات زمنية قد تشهد بعض الهدوء وفترات أخرى قد تشهد مواجهات دامية. وبغضّ النظرّ عن نتائج جولات التفاوض المُتكرّرة، الأكيد أنّ نار ​الشرق الأوسط​ باقية تحت الرماد... وفوقه أيضًا! ماذا في التفاصيل؟

عندما تُقدّم ​الولايات المتحدة الأميركية​ خيار الحرب أو السلام في الشرق الأوسط، فهي تنطلق من مصالح إستراتيجيّة كبرى ترتبط بنطاق نفوذها العالمي، وبحجم سيطرتها على منابع النفط وخطوط امداده، وبمصالح استثمارية مع دول الخليج، وباعتبارات اقتصادية–مالية تخصّها بالدرجة الأولى، وتشمل خُصومها في هذا المجال أيضًا وفي طليعتهم ​الصين​، إلخ. من هنا، إنّ أيّ قرار بالحرب تتخذه واشنطن، وأي اتفاق سلام أو مذكرة تفاهم أو حتى إطار حلّ، ينطلق من اعتبارات سياسية عريضة، ولو أنّه يبدو أحيانًا مرتبطًا بمصالح ظرفيّة، على غرار ضرورة أن تُمرّر أميركا بشكل هادئ وخال من التوتّرات، نهائيّات بطولة كأس العالم 2026 التي تستضيفها مع كل من كندا والمكسيك، في الفترة المُمتدّة من 11 حزيران إلى 19 تمّوز المقبلين.

انطلاقًا ممّا سبق، صحيح أنّ من شأن اعتماد فترة هدوء وتفاوض من ستين يومًا في الشرق الأوسط أن تكون كافية لانتهاء بطولة كأس العالم في أميركا، لكنّ الأصحّ أنّ قرارات الحرب والسلام الكبرى تتجاوز هذه المصالح الصغيرة. والأكيد أنّ الصراع بين واشنطن وطهران والذي كان بدأ بعد الثورة الإسلامية في ​إيران​ في العام 1979، غير مرشّح للانتهاء في المستقبل القريب، بغضّ النظر عن أي تفاهمات ظرفية يمكن أن تنقل الصراع من مرحلة دموية حامية إلى مرحلة باردة وإلى نار تحت الرماد. والصراع في الشرق الأوسط، الذي يدور منذ عُقود عدّة، بين أميركا ممثّلة بحلفائها في المنطقة وفي طليعتهم ​إسرائيل​ من جهة، وإيران والجماعات المُسلّحة المتحالفة معها من جهة أخرى، باق في المرحلة المُقبلة، لأسباب عدّة، أبرزها:

أوّلًا: إنّ دولة مثل إسرائيل لا يُمكن أن تعيش من دون وجود عدوّ دائم لها، يُبقي شعبها في حال شحن معنوي مفتوح، تحضيرًا للحروب المقبلة. فأي تساهل من جانب القيادة الإسرائيلية بالنسبة إلى انخراط الشعب اليهودي في الخدمة العسكرية، ومواصلة بناء الترسانة العسكرية وتطويرها، ومتابعة التدريب والتحضيرات الأمنية، يعني بداية نهاية الكيان الإسرائيلي. يُذكر أنّ الإنفاق العسكري السنوي في إسرائيل تراوح خلال الأعوام القليلة الماضية ما بين 34 و46 مليار دولار، أي ما يصل إلى نحو 9 % من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يضع إسرائيل في أعلى المراتب بين دول العالم أجمع في ما خصّ نسبة الإنفاق العسكري مقارنة بحجم اقتصادها. والجُسور الجوية الأميركية نحو إسرائيل تواصلت في المرحلة الأخيرة، والميزانيات الخاصة بإنتاج الأسلحة وتطويرها داخل إسرائيل تعاظمت كثيرًا.

ثانيًا: إنّ إيران لا تختلف بدورها عن إسرائيل، حيث يُشكّل عداء الاولى للثانية ركيزة أساسية في عقيدة السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد كرّست القيادة شرعيتها الإقليمية انطلاقًا من رفض الاعتراف بإسرائيل، وبنت بُعدها الإيديولوجي لدى الجماعات الموالية لها في المنطقة، على اعتبار قضية تحرير القدس واجبًا دينيًا ومبدأً ثوريًا. وأي وُصول إلى تفاهمات محدودة لانهاء جولات الحرب الحالية وتنفيس حال الاحتقان، لا يعني أبدًا تخلّي إيران عن إعادة بناء ترسانتها العسكريّة، والسعي لمواصلة مدّ الجماعات الموالية لها على مستوى الإقليم بالمال والسلاح، والعمل على هزّ استقرار أي دولة عربية تميل للتطبيع مع إسرائيل. يُذكر أنّ الإنفاق العسكري السنوي في إيران تراوح خلال الأعوام القليلة الماضية ما بين 10 و23 مليار دولار، أي ما يصل إلى نحو 3 % من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يضع إيران في موقع متوسّط عالميًا.

ثالثًا: جوهر الصراع في الشرق الأوسط، والذي كان انفجر من الأراضي الفلسطينيّة في منتصف القرن الماضي، لم ينتهِ فُصولًا بعد. والمعركة الإسرائيلية المفتوحة على حركة "حماس" مُرشّحة للانفجار من جديد، بمجرّد أن يثبت تجميد القتال مع إيران في المرحلة المقبلة، حيث استكملت تل أبيب أخيرًا التحضيرات للعمل عسكريًا مُجدّدًا ضُد آخر معاقل مقاتلي "حماس". وفي ما خصّ جبهة لبنان، المسألة منوطة بما ستفرز نتائج جولات التفاوض بخصوص سلاح "​حزب الله​"، حيث أنّ عدم التوصّل إلى مُخرجات سلميّة في هذا الصدد، سيدفع الأمور نحو جولات قتالية جديدة، هذا إذا افترضنا أنّ الاتصالات القائمة راهنًا ستؤمّن هدنة مُوقّتة.

وبالتالي، لن يكون هناك أي فترة سلام شامل في المنطقة في المستقبل القريب، بل مُجرّد جولات مما يُمكن وصفه باستراحة المُحارب، تحضيرًا لجولات قتالية جديدة، إن لم يكن على هذه الجبهة فعلى تلك! والمُشكلة أنّه في حين يأخذ الكبار مصالحهم الإستراتيجية في أي قرار يتخذونه، في الحرب وفي السلم، يبدو لبنان كالقارب الذي تتقاذفه الأمواج شمالًا ويمينًا، من دون أي قُدرة على التحكم بالمصير! ففي الحروب السابقة، تحوّل لبنان تارة إلى "رأس حربة" وطورًا إلى "مكسر عصا"، وفي مرحلة السعي للسلام في الساعات الماضية، شملت اتصالات الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ قيادات أغلبية دول المنطقة المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر بالحرب مع إيران، إلا لبنان! ومسألة وقف النار على الأراضي اللبنانيّة هي حاليًا محط شدّ حبال مفتوح بين إيران وإسرائيل، وتدخل في سياق الكباش الإقليمي المفتوح، وأوراق المُساومة على طاولات تفاوض طهران–واشنطن، للأسف الشديد.

وفي الختام، الخشية الكبرى أن لا يحصد لبنان أي مكسب في مرحلة الهدوء التي يجري العمل على تعميمها في المنطقة، وهو الذي دفع ثمنًا باهظًا في مرحلة الحروب الإقليمية خلال السنوات والعُقود الماضية، ولا يزال حتى تاريخه!