على الرغم من بعض المؤشرات، التي برزت في الأسابيع الماضية، حول عدم الرغبة في إسقاط الحكومة، خصوصاً بعد التحركات التي حصلت في وسط بيروت، التي استدعت تحركاً سريعاً من السعودية، لا يمكن تجاهل الرسائل التي تضمنتها كلمة أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، أول من أمس، لا سيما لناحية دعوة الحكومة إلى الرحيل، في حال كانت عاجزة عن تأمين السيادة، بالتزامن مع التشديد على حق الشعب في النزول إلى الشوارع من أجل إسقاطها، لدى تطرقه إلى ملف القرض الحسن.
من حيث المبدأ، هذا التصعيد في مواقف الشيخ قاسم لا ينفصل عن الإطار العام القائم في البلاد، تحديداً بالنسبة إلى الخلاف المستمر حول المسار الأفضل لوقف إطلاق النار، بين وجهة نظر الدولة، التي ترى أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من خلال المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، في مقابل وجهة نظر الحزب، بالإضافة إلى حلفائه، التي تؤكد أن ذلك يجب أن يكون عبر المفاوضات الأميركية الإيرانية.
في هذا السياق، ترى مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة" أن الرسالة التي أراد الحزب أن يوجهها لم تكن إلى الداخل اللبناني، على عكس ما ذهب إليه الكثيرون، بل إلى القوى الخارجية التي تدعم السلطة الحالية، ما يبرر مسارعة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الرد عليها، لا سيما أنها جاءت بعد أيام قليلة من العقوبات الجديدة على عدد من الشخصيات المحلية، وقبل انطلاق المسار الأمني من المفاوضات في 29 الشهر الحالي.
بالنسبة إلى المصادر نفسها، العقدة الرئيسية تكمن في أن الحزب يعتبر أن مسار المفاوضات المباشرة، من الممكن أن يقود إلى نتائج خطيرة، على اعتبار أنه يصب في إطار السعي إلى "الاستفراد" به، عبر وضع ملف سلاحه في سياق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، حيث تشير إلى أن هناك خشية أيضاً من ربط الانسحاب الإسرائيلي بمعالجة ملف السلاح، بدل أن يكون جزءاً من النقاش الأميركي الإيراني في المراحل التالية، في حال تم التوصل إلى الاتفاق الذي يجري التفاوض بشأنه في الوقت الراهن.
هنا، من الضروري الإشارة إلى أن معادلة رفض "الاستفراد" تعود إلى موازين القوة الحالية، على قاعدة أن طهران من الممكن أن تساعد في الوصول إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، على الرغم من أن تل أبيب لا تزال ترفض التخلي عن مبدأ حرية الحركة، في حين أن هناك عوامل أخرى غير مساعدة في موضوع الانسحاب أو معالجة ملف السلاح، لا سيما بعد القرارات التي كانت قد صدرت عن الحكومة، تحديداً تلك التي صنفت أنشطة "حزب الله"، العسكرية والأمنية، غير شرعية.
من وجهة نظر المصادر السياسية المتابعة، ما أراد الحزب أن يقوله، من خلال مواقف الشيخ قاسم، إنه في مقابل السعي إلى فصله عن الحليف الإيراني فإنه مستعد لإضعاف ما يعتبره حليفاً للولايات المتحدة، أي الحكومة اللبنانية، من خلال اللجوء إلى الشارع لعرقلة عملها أو إسقاطها، خصوصاً أن ما تحدث عنه كان بمثابة رسالة، أي تمهيد، أكثر مما هو أمر تنفيذي، على اعتبار أن التنفيذ يتطلب مقدمات أبعد مما أُعلن.
بالإضافة إلى ما تقدم، تشير المصادر نفسها إلى أن الحزب يدرك أيضاً أن القوى الإقليمية، التي عبرت عن دعمها لمسار المفاوضات الدبلوماسية مع طهران، من منطلق أنها لا تريد العودة إلى أجواء المواجهات العسكرية، بسبب التداعيات التي من الممكن أن تترتب على ذلك، لا تفضل أن يبقى الترابط بين الملفين اللبناني والإيراني، بل على العكس تؤيد الفصل بينهما، وتدعم موقف الحكومة والخطوات التي تقوم بها في هذا المجال.
في المحصلة، لدى هذه المصادر قناعة بأن أي معالجة على المستوى الداخلي، لا يمكن أن تتم بعيداً عن التطورات على المستوى الإقليمي، لكنها تشدد على أن البلاد باتت أمام معادلات شديدة الدقة، خصوصاً أن عامل الوقت لم يعد مساعداً، نظراً إلى أن مسار واشنطن في سباق مع مسار إسلام آباد، وهو ما فرض، من وجهة نظرها، مبادرة الحزب إلى رفع السقف إلى هذا الحد، بالرغم من أي خطوة عملية، من قبله، قد تستدعي رداً من قبل باقي القوى التي تدعم الخطوات التي تقوم بها الحكومة.





















































