في منطقة تقف على حافة الانفجار منذ أشهر، لا تزال الحرب المفتوحة بين إسرائيل ومحور إيران تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وسط سباق محموم بين التصعيد العسكري ومحاولات فرض تسويات سياسية جديدة. وبينما تتكثف الاتصالات والرسائل غير المعلنة بين واشنطن وطهران، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة شديدة التعقيد، تختلط فيها الحسابات النووية بالمصالح العسكرية والضغوط الاقتصادية، في وقت لم يعد فيه أي اتفاق محتمل مجرد تفاهم تقني، بل جزءًا من معركة أكبر على مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط.
"ليس واضحاً بعد إذا ما كان الأميركي سيوقع الاتفاق أم لا، والكرة اليوم في ملعبه". هذا ما أكدته مصادر مطلعة عبر "النشرة"، لافتةً إلى أنه "لم يتم الوصول الى هذه المرحلة عن عبث فالأسبوع الماضي حضر قائد الجيش الباكستاني إلى إيران، وفي الوقت ذاته كان هناك وفد قطري رفيع المستوى في الجمهورية الإسلامية وكان مزوَّداً بمعطيات من الولايات المتحدة الأميركية، وخلال وجود الوفدين أطلعا الإدارة الأميركية على أجواء المباحثات، وحين تم التوصل إلى اتفاق مبدئي بين إيران وأميركا أشاعا الأجواء الإيجابية، معلنين عن وجود اتفاق تفاهم بين البلدين".
وفي هذا الإطار يشير الخبير في الشؤون الإقليمية د. حكم أمهز أن "الأميركيين تراجعوا عما كانوا وافقوا عليه خلال المباحثات وأثناء وجود قائد الجيش الباكستاني والوفد القطري في إيران"، مرجحاً أن "يكون اتصال الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو هو الذي أعاد خلط الأمور".
"اتفاق التفاهم بين أميركا وإيران مقسّم الى مرحلتين". هذا ما أكده أمهز، لافتا الى أن "المرحلة الأولى تتركز على إنهاء الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وما كلام نتانياهو عن أن ترامب أكده له على حرية الدفاع عن النفس أو حرية الحركة في لبنان إلا دليل تراجع من قبل الاميركي كونه أعطى الموافقة على إنهاء الحرب على جميع الجبهات". ليعود ويكمل أن "المرحلة الأولى تتضمن انسحاب القوات الاميركية وكل التعزيزات التي استقدمتها إلى الشرق الأوسط قبل الحرب وخلالها وبعدها، خشيةً من أن تعود الولايات المتّحدة الى القيام بضربات على الجمهورية الاسلامية بعد انتهاء كأس العالم، أيضا المرحلة الأولى تتضمن الإفراج عن 25 مليار دولار من الأرصدة المجمدة لطهران وفتح مضيق هرمز ورفع بعض العقوبات عن صادرات النفط الايرانية".
ويلفت حكم أمهز إلى أنه "بعد ذلك وفي غضون شهر إلى شهرين يبدأ البحث في المرحلة الثانية التي تتضمن رفع العقوبات عن إيران ودفع تعويضات أضرار الحرب والبحث في البرنامج النووي والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة"، مشيراً إلى أن "هذه هي ببساطة حقيقة مضمون مذكرة التفاهم التي أعطوا الموافقة عليها، أما اليوم فقد تراجعوا ويريدون البحث في جميع الملفات دفعةً واحدة".
ويُشدد على أن "ترامب بما يقوم به يُقدّم المصلحة الإسرائيلية على مصلحة أميركا، لأن الاتفاق يُناسب الولايات المتحدة؛ إذ إذا قرر ترامب شنّ حرب فشل، بل انعكس الأمر على مضيق هرمز الذي أُغلق. وإذا لم ينجح في المرة الأولى فماذا سيحقق الآن؟ كذلك في حال اندلاع حرب جديدة فإن إيران ستستخدم ورقة باب المندب وهي ورقة جديدة، إضافةً إلى أن الرد سيتجاوز قواعد خارج منطقة الشرق الأوسط، ومنها قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وقد يُفجَّر الوضع الأمني داخل أميركا".
وفي الوقت ذاته يُؤكد حكم أمهز أن "هذا الاتفاق بقدر ما هو في مصلحة أميركا إلا أنه ليس في مصلحة إسرائيل التي تريد بقاء الحرب مستمرة، وعلى المستوى الشخصي فإن الحرب تُساعد نتانياهو على الهروب من المحاكمة".
وبين مؤشرات التهدئة واحتمالات التصعيد، يبقى المشهد مفتوحًا على أكثر من سيناريو، في ظل تضارب المصالح بين واشنطن وتل أبيب وطهران، وتعقّد الملفات المرتبطة بالحرب والعقوبات والبرنامج النووي الإيراني. إلا أن الثابت حتى الآن هو أن المنطقة لا تزال تعيش مرحلة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي تطور سياسي أو أمني أن يعيد إشعال المواجهة ويغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.