يحتدم الصراع بين الكونغرس والرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ في الأزمة المرتبطة بالحرب مع إيران ومعضلة ​مضيق هرمز​. واذا كان الثاني قد نجح اكثر من مرة في تجاوز تقييد صلاحياته، الا ان هناك مؤسسة أساسية يجب النظر اليها وتتأثر بهذا الصراع مباشرة: ​الجيش الأميركي​. فبين القرار السياسي والتنفيذ الميداني، يظهر تداخل معقد يجعل ​إدارة الأزمة​ أقرب إلى "توازن هش" منها إلى استراتيجية مستقرة أو حرب تقليدية واضحة المعالم.

في النظام الأميركي، يحتل الرئيس موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما يتولى الكونغرس صلاحيات التشريع والتمويل والرقابة. نظرياً، هذا التقسيم يضمن توازناً في السلطة، الا انه عملياً -خصوصاً في الأزمات السريعة- يتحول إلى مصدر توتر، لأن القرار العسكري يحتاج إلى سرعة، بينما تعمل ​السياسة الداخلية​ بإيقاع أبطأ وأكثر انقساماً. في هذه الفجوة الزمنية تحديداً، يجد الجيش نفسه في موقع حساس: تنفيذ عمليات قد تتأثر بتغيرات سياسية داخلية مستمرة.

حالياً، تتحرك الإدارة الأميركية عبر إجراءات ردع وحماية للملاحة في المضيق الشهير، تشمل انتشاراً بحرياً وعمليات محدودة. في المقابل، يبدأ الكونغرس في مراقبة الكلفة السياسية والاقتصادية لهذه التحركات، خصوصاً مع تأثيرها المباشر على ​أسعار النفط​ والتضخم الداخلي. لكن هذا الدور الرقابي، رغم أهميته الدستورية، لا يترجم دائماً إلى قرارات سريعة أو موحدة، بسبب الانقسام الحزبي العميق الذي ينعكس مباشرة على المؤسسة العسكرية. فالقادة العسكريون لا يتلقون فقط أوامر تنفيذية، بل أيضاً إشارات سياسية متناقضة: البيت الأبيض يدفع نحو الردع وإظهار القوة، بينما يلوّح جزء من الكونغرس بإمكانية تقييد التمويل أو فرض شروط على العمليات. هذه الازدواجية لا تعطل الجيش، لكنها تؤثر على طريقة التخطيط والتنفيذ، وتجعل القرارات العملية أكثر تحفظاً.

إحدى أهم أدوات الكونغرس في هذا السياق هي التحكم في التمويل. حتى من دون استخدام سلطة المنع المباشر، يمكن لأي تهديد بتقييد الميزانية أو ربطها بشروط سياسية أن يدفع ​البنتاغون​ إلى إعادة ضبط نطاق العمليات. هذا يؤدي عملياً إلى تفضيل المحدودة، وتجنب أي توسع قد يفتح باب مواجهة سياسية داخلية. وبالتوازي، تفرض جلسات الرقابة والاستماع في الكونغرس نوعاً من الضغط غير المباشر على المؤسسة العسكرية، يجعلها أكثر حساسية تجاه أي تصعيد قد يثير جدلاً داخلياً.

في الوقت نفسه، يلعب الاقتصاد دوراً إضافياً في تشكيل البيئة العامة. قد لا تتم ترجمة ارتفاع أسعار الطاقة تلقائياً إلى قرارات استراتيجية، لكنه يخلق ضغطاً سياسياً مستمراً على الإدارة والكونغرس معاً.

أمام هذا المشهد، يحاول البنتاغون الحفاظ على نوع من الفصل بين السياسة والتنفيذ، عبر التركيز على أهداف محددة مثل حماية الملاحة البحرية ومنع التصعيد المباشر. النتيجة النهائية للتداخل بين السياسة والاقتصاد والجيش، هي ظهور نمط مختلف من إدارة القوة الأميركية. فبدلاً من حرب تقليدية ذات أهداف واضحة ونهاية محددة، تصبح العمليات أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد، تتغير فيها قواعد الاشتباك وفق التطورات السياسية والاقتصادية. في هذه الحالة، لا يتوقف الجيش عن العمل، لكنه يتحول من أداة لتنفيذ استراتيجية حاسمة إلى أداة لإدارة توازن معقد بين الردع والاحتواء.

في هذا السياق، لا يبدو الصراع بين الكونغرس والرئيس مجرد خلاف دستوري، انما عامل مباشر يعيد تشكيل طريقة عمل المؤسسة العسكرية نفسها. وبينما تستمر الأزمة، يبقى التحدي الأساسي في الحفاظ على فعالية ​القوة العسكرية​ من دون السماح للانقسام السياسي الداخلي بأن يتحول إلى عامل يقيّد القرار الميداني أو يربك مسار العمليات.