مع اقتراب نهاية الشهر المريمي، أعود لأكتب عن صورة السيدة العذراء المنمشة الوجه التي أحبّها بعمق. في تاريخ الأيقونات والرسوم المقدسة للسيدة مريم (الأيقونوغرافيا)، تتنوع الصور بين رسمها وحدها أو مع ابنها يسوع. وتفاوتت ألوان وجوه العذراء بين الأبيض الرخامي، والأسمر، والأصفر، تبعاً للبيئة الاجتماعية التي رُسمت فيها. لكن صورة سيدة الشبانية، وهي ممسكة بطفلها في حضنها أو جالسة على عرشه الإلهي الذي يشير الطفل بيده نحو العلاء والسماء نحو الإله الواحد، تتميز بوجهٍ منمشٍ بالنمش. وهذا ما يجعلها فريدة في تاريخ الفن والأيقونوغرافيا على حدٍّ سواء.
كيف اكتشفت هذا التفرد؟ عندما كنت طفلاً، كان أهلي يصطحبونني إلى كنيسة السيدة، فكنا نركع أمام الأيقونة ونصلي الوردية. ومع تقدمي في العمر، رافقتني هذه الصورة في مخيلتي، وظلت تراودني خلال أسفاري الطويلة، وكنت أبحث عنها دون أن أجد ما يفوقها جمالاً. ومع اندلاع الحرب في لبنان، وبعد انتهائها، طلب المسؤولون عن الكنيسة نقل الصورة إلى الكسليك لترميمها. وكنت يومها عميداً لكلية الفنون الجميلة في جامعة الروح القدس - الكسليك، حيث يتوفر محترف متخصص. هناك، رمّم فنانون مختصون الأيقونة، وقبل إعادتها إلى أهل الشبانية، نظرت إليها عن كثب، فرأيت بوضوح النمش الذي انطبع في ذهني منذ الصغر، والذي بحثت عنه طوال عمري دون أن أجد له نظيراً أو شبهاً.
فأطلقت عليها اسم "سيدة الشبانية المنمشة الوجه"، بوصفها تحفة فريدة في تاريخ الأيقونوغرافيا. ولأن الصورة كانت معلقة في علوٍّ بعيد داخل حنية الكنيسة، لم نكن نقدر على رؤية الوجه بوضوح من قبل. لكن حين أُنزلت للترميم، تجلى لي النمش بجلاء على وجه العذراء، فأثّر في روحي بعمق.
رافقتني هذه العذراء طوال حياتي، فصليت لها باستمرار، وطلبت منها أن تحرسني وتحميني، وتحفظ جميع الغاليين على قلبي، وتشفي مرضاهم، وتعزي أحزانهم، وتبارك بيوتهم وأعمالهم. كما طلبت شفاعتها لوطننا الحبيب لبنان، ولكل كنيسة المسيح في السلام، ولتصنع السلام في العالم أجمع.
ومما يروى في هذا السياق، أن الرئيس الراحل إلياس سركيس كان يتردد إلى هذه الكنيسة في الأوقات الحرجة، فيركع أمامها طالباً العون والحماية. وكان يقول لي بهدوءه المعتاد: "أبونا، ما عندي غيرها. لم تتركني ولم تخذلني، بل وفقتني في حياتي. إني أحبها وأشهد بشكرها، فصلي لها كل حياتك، فإنها ترافقك وتحميك وتوفقك". وكانت الدموع تملأ عينيه وعينيّ معه. وكم مرة تردد على الأماكن المقدسة والأديرة، طالباً الصلاة والمشورة الروحية من الرهبان.
تبقى سيدة الشبانية المنمشة الوجه أكثر من مجرد أثر فني أو تاريخي؛ إنها مرآة تعكس إيمان شعبٍ بسيط وجد في تفاصيل وجه العذراء لمسةً من القرب الإلهي. فبين النمش الذي يزيّن وجهها، والصلوات التي تتصاعد من قلوب المؤمنين، تظل هذه الأيقونة منبعاً للأمل، وشفيعةً للقلوب المتعبة، ورمزاً لثبات لبنان الروحي والإنساني في وجه كل عاصفة. فلتبقَ شفاعتها ملجأً لنا، وسلامها يظلّل وطننا وكنيستنا والعالم أجمع. آمين.























































