في كل مرة ترتفع فيها حدة التوترات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، يعود الذهب ليتصدر المشهد المالي العالمي باعتباره الملاذ الأكثر أماناً للمستثمرين. ومع تصاعد المخاوف من تطور المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وما قد تحمله من تداعيات على أسواق النفط والطاقة وحركة التجارة العالمية، تشهد أسعار الذهب تقلبات حادة بين الصعود والتراجع وسط حالة من الترقب والقلق في الأسواق الدولية. وفي لبنان، حيث تتفاقم الهواجس النقدية والاقتصادية، يزداد الإقبال على الذهب كوسيلة لحفظ القيمة في ظل استمرار عدم الاستقرار المالي وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي.
الذهب عند مستويات تاريخية
حالياً يتراوح سعر الذهب بين 4500 و4530 دولاراً للأونصة، وذلك بعد فترة من تماسك الأسعار، علماً أن المعدن الأصفر كان قد سجّل مستويات قياسية تاريخية مطلع عام 2026 متجاوزاً 5600 دولار للأونصة في كانون الثاني، قبل أن يشهد تقلبات حادة مرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط والمخاوف من توسع الحرب إقليمياً.
وتشير تقارير مالية عالمية صادرة عن مؤسسات مثل JP Morgan وGoldman Sachs إلى أن الذهب لا يزال مدعوماً بعدة عوامل أساسية، أبرزها استمرار شراء البنوك المركزية للذهب، وضعف الدولار الأميركي، إضافة إلى المخاوف من التضخم العالمي والتوترات الجيوسياسية. كما تحدثت تقارير صادرة عن مجلس الذهب العالمي World Gold Council عن ارتفاع الطلب العالمي على الذهب خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً من قبل البنوك المركزية والمستثمرين الباحثين عن الأمان.
تصعيد قد يرفع الأسعار
"على المدى القصير، يُتوقع أن تبقى الأسعار مدعومة مع اتجاه صعودي معتدل، طالما استمرت حالة عدم اليقين الجيوسياسي". هذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي ميشال فياض، لافتاً عبر "النشرة" إلى أن "محللين يتوقعون من بينها JP Morgan، أن يصل سعر الذهب إلى ما بين 6000 و6300 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026، مدفوعاً باستمرار طلب البنوك المركزية على الذهب، التضخم وضعف الدولار، فضلاً عن دور الذهب كملاذ آمن"، واعتبر فياض أن "أي تصعيد جديد قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع سريعاً بنسبة إضافية تتراوح بين 5 و15%. وفي المقابل، فإن أي تهدئة كبيرة أو اتفاق دبلوماسي قد يؤدي إلى تصحيح تقني في الأسعار".
لماذا يرتفع الذهب خلال الحروب؟
تاريخياً، كان الذهب يستفيد من الحروب والأزمات الكبرى باعتباره أحد أبرز الأصول الآمنة في العالم. فقد شهد ارتفاعات كبيرة خلال الأزمة المالية العالمية، والحرب الروسية-الأوكرانية، إضافة إلى فترات التوتر في الخليج والشرق الأوسط. ويرى محللون أن أي تهديد لحركة الملاحة أو إمدادات النفط العالمية، وخصوصاً في مضيق هرمز، ينعكس فوراً على أسعار الذهب والنفط معاً.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها: هروب المستثمرين من الأسواق الخطرة والأسهم، وارتفاع أسعار النفط والتضخم، وضعف العملات، والبحث عن أصول ملموسة تحفظ القيمة في أوقات الأزمات، إضافةً إلى ما تُفرزه حروب الشرق الأوسط من قلق يعزز مكانة الذهب.
ويُشير فياض إلى أن "الحرب، ولا سيما التوترات بين إيران وإسرائيل وانعكاساتها الإقليمية، تؤثر بشكل عام إيجاباً على أسعار الذهب باعتباره الأصل الأكثر أماناً في أوقات الأزمات"، لافتاً إلى أن "الأسعار شهدت ارتفاعات حادة خلال مراحل التصعيد، حيث تجاوزت 5400 دولار للأونصة، رغم حدوث فترات تراجع أيضاً عندما طغت المخاوف من التضخم المرتفع ورفع أسعار الفائدة"، معتبراً أن "هذا التأثير يأتي عبر حالة عدم اليقين الجيوسياسي والمخاطر التي تهدد طرق الطاقة، مثل مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، ما يعزز مكانة الذهب كوسيلة للتحوط من التضخم، إضافة إلى تزايد إقبال المستثمرين واللبنانيين على الذهب المادي في ظل عدم الاستقرار النقدي المحلي".
الذهب في لبنان… ملاذ لحفظ القيمة
وفي لبنان، يزداد الإقبال على شراء الذهب بشكل ملحوظ مع استمرار الأزمة الاقتصادية وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي، حيث يعتبر كثير من اللبنانيين الذهب وسيلة لحفظ القيمة بعيداً عن تقلبات العملة المحلية والمخاطر المالية. كما أن ارتفاع أسعار الذهب عالمياً انعكس مباشرة على السوق المحلية، وسط زيادة الطلب على الليرات والأونصات الذهبية، خصوصاً في ظل استمرار القلق من أي اهتزازات مالية أو نقدية جديدة.
ترقب بين الحرب والتسويات
وبين احتمالات التصعيد العسكري وفرص التوصل إلى تفاهمات سياسية أو دبلوماسية، يبقى الذهب مرآة مباشرة لحجم القلق العالمي وعدم اليقين الجيوسياسي. فكل تطور في العلاقة بين واشنطن وطهران ينعكس سريعاً على الأسواق، سواء عبر أسعار النفط أو حركة المستثمرين نحو الأصول الآمنة.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية وتراجع الاستقرار الاقتصادي في عدد من دول المنطقة، يبدو أن الذهب سيحافظ على مكانته الراسخة بوصفه أبرز أصول التحوّط، فيما تبقى الأنظار مفتوحة على ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقود إلى موجة ارتفاعات جديدة أم إلى تصحيح مؤقت في الأسعار.