منذ أشهر، تحاول إسرائيل تسويق مقاربة جديدة تجاه لبنان تقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى مختلفة عن سنوات الصراع السابقة: التمييز بين الدولة اللبنانية وحزب الله، والترويج بأن المشكلة ليست مع اللبنانيين بل مع الحزب وسلاحه. وقد ترافق هذا الخطاب مع اللقاءات المباشرة التي حصلت، وضغوط أميركية لدفع بيروت نحو ترتيبات أمنية طويلة الأمد، إضافة إلى حديث متكرر عن مستقبل اقتصادي مختلف للبنان إذا خرج من دائرة المواجهة.
لكن المفارقة تكمن في أن الوقائع الميدانية والسياسية في الأسابيع الماضية لا توحي بأن هذه المقاربة تحقق أهدافها، بل تدفع إلى نتائج معاكسة تماماً. فبدلاً من إضعاف حضور حزب الله داخل البيئة اللبنانية، يبدو أن التصعيد الإسرائيلي يساهم تدريجياً في إعادة إنتاج الحاجة إليه، حتى لدى شرائح لا تتبنى مشروعه السياسي أو الإقليمي.
المشكلة الأساس في الاستراتيجية الإسرائيلية أنها تقوم على تناقض يصعب إخفاؤه. فمن جهة، تتحدث تل أبيب عن رغبتها في “تقوية الدولة اللبنانية”، لكنها في الوقت نفسه تواصل سياسة الضغط العسكري الواسع التي تؤدي عملياً إلى إضعاف صورة هذه الدولة أمام مواطنيها. فهي التي تعجز عن منع الغارات، ولا تستطيع حماية المدنيين أو حتى فرض منطقها السيادي على كامل أراضيها، تبدو في نظر الناس أقل قدرة على لعب دور الحامي، فيما يظهر الحزب، بحكم امتلاكه أدوات الرد، وكأنه الطرف الوحيد القادر على المواجهة.
وهنا تكمن إحدى أبرز الإشكاليات التي جعلت إسرائيل تخسر هذه المعركة: المجتمعات لا تتعامل مع الأمن بمنطق النظريات السياسية فقط، بل بمنطق الشعور المباشر بالخطر. وعندما يشعر اللبناني، سواء كان مؤيداً لحزب الله أو معارضاً له، أن بلده مهدد وأن العاصمة تعتبر هدفاً او "حصة" يحق لإسرائيل الحصول عليها، فإن الأولوية النفسية تتحول من النقاش حول سلاح الحزب إلى سؤال أبسط وأكثر إلحاحاً: من يرد؟ ومن يمنع الانهيار الكامل؟
لهذا السبب، فإن كثيراً من اللبنانيين الذين لا ينسجمون سياسياً مع حزب الله يجدون أنفسهم في موقع أكثر حذراً تجاه الخطاب الإسرائيلي. ليس لأنهم غيّروا قناعاتهم، بل لأن التصعيد الحالي يعيد إحياء ذاكرة جماعية ثقيلة مرتبطة بالحروب والاجتياحات والدمار. فاللبناني الذي يرى منازل مدمرة ويرى مدنيين من نساء وأطفال يقتلون من دون سبب، يصعب إقناعه بأن ما يجري هو مشروع “تقارب” أو محاولة لبناء سلام مستقبلي.
الأخطر أن بعض الحوادث الأخيرة التي أدت الى استشهاد مدنيين مسيحيين كانوا في منازلهم وقراهم، وتدنيس مجسمات دينية مسيحية من دون أي سبب، حملت أبعاداً رمزية شديدة الحساسية داخل المجتمع اللبناني، وخصوصاً في البيئة المسيحية (التي تعتبر بالنسبة الى الجميع بعيدة عن أفكار ومواقف حزب الله العقائدية والسياسية والعسكرية)، ولم تتم قراءتها بوصفها مجرد تصرف فردي معزول، حتى مع إعلان الجيش الإسرائيلي "معاقبة الجنود المتورطين". لذلك شعر كثير من المسيحيين، بأن الخطاب الإسرائيلي عن “السلام مع اللبنانيين” يفقد صدقيته عندما تقترن العمليات العسكرية بمشاهد مماثلة، وعاد التساؤل عن كيفية القدرة على التعايش مع أناس يحملون هذه الأفكار ويختزنون هذا الحقد؟ وهذا ما يزيد الحرج لدى الدولة اللبنانية ويضعها أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف يمكن إقناع اللبنانيين بجدوى المسار التفاوضي بينما الغارات والجرائم مستمرة والتهديدات تتوسع؟ كما أن إسرائيل تبدو وكأنها تراهن على أن الضغط العسكري سيدفع اللبنانيين إلى الانقلاب على حزب الله، لكن التجارب اللبنانية السابقة تشير إلى نتيجة مختلفة غالباً. ففي لحظات الخطر الخارجي، تميل قطاعات واسعة من المجتمع إلى تأجيل انقساماتها الداخلية والالتفاف حول أي قوة تعتبرها قادرة على الردع، حتى لو كانت تختلف معها سياسياً. وهذه ظاهرة معروفة في كثير من المجتمعات التي تواجه تهديداً خارجياً مباشراً.
هناك شريحة كبيرة في لبنان لا تزال تعتبر أن استمرار وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة يبقي لبنان رهينة لحروب متكررة. لكن ما يتغير اليوم هو ترتيب الأولويات لدى الناس. فحين يرتفع منسوب الخوف من إسرائيل، يتراجع النقاش الداخلي حول دور الحزب لمصلحة منطق الحماية والردع.
لذلك، خسرت إسرائيل معركة استقطاب اللبنانيين، حتى انها دفعت بغالبية الذين يعارضون الحزب (ولا يزالون) الى "تفهم" موقفه واعتباره أفضل من الإسرائيليين اذا ما كان يجب الاختيار بين الاثنين.