أشار النّائب بلال الحشيمي إلى أنّ "في الوقت الّذي يعيش فيه اللّبنانيّون واحدةً من أقسى المراحل الّتي مرّت على وطننا، وفي الوقت الّذي تُهجَّر فيه العائلات من منازلها، وتُفرَّغ القرى من أهلها، وتتوالى إنذارات الإخلاء ساعةً بعد ساعة، وتبيت عائلات بأكملها متكدّسةً في غرف ضيّقة يلفّها الخوف والقلق والترقّب، إن لم نقل يلتحفون أرصفة الطرقات، لا يزال هناك من يتحدّث عن إجراء الامتحانات الرسمية وكأنّ شيئًا لا يكن".
وتساءل في بيان، "أيّ منطق هذا؟ وأيّ ضمير يقبل بذلك؟ كيف يمكن أن نطلب من تلميذ نام ليلته على هدير الطائرات المسيّرة، أو أمضى ساعات الفجر متنقّلًا مع عائلته هربًا من إنذار أو قصف، أو يجلس اليوم في غرفة مكتظّة بعدما خسر منزله أو بلدته، أن يفتح كتابه بهدوء ويستعدّ لامتحان رسمي مصيري؟ وكيف يمكن أن نتحدّث عن تكافؤ الفرص فيما هناك تلميذ يدرس تحت ضغط النّزوح، وآخر تحت وقع الخوف، وثالث لا يعلم أصلًا إن كان سيعود إلى منزله أو بلدته؟".
وأكّد الحشيمي أنّ "هذا ليس نقاشًا إداريًّا، أو وجهات نظر مختلفة، بل امتحان لضمير الدّولة. وأمام هذا الإصرار غير المفهوم على إجراء الامتحانات الرّسميّة بثلاث دورات، وأمام مشهد لبناني يزداد اشتعالًا وخطورةً يومًا بعد يوم، أجد نفسي مضطرًّا لرفع الصوت عاليًا، دفاعًا عن التلاميذ النّازحين والتلاميذ المستضيفين، ومدافعًا عن العدالة التربويّة؛ وعمّا تبقّى من منطق في إدارة هذا الملف".
ورأى أنّ "ما يجري اليوم لم يعُد مجرّد اختلاف في وجهات النّظر، بل تحوّل إلى حالة تعنّت إداري خطير، وانفصال كامل عن الواقع الّذي يعيشه اللّبنانيّون، إن لم نقل تغليب المصالح الشّخصيّة والخاصة الضيّقة على حساب المصلحة العامّة للتربية والتلاميذ على حدّ سواء".
كما لفت إلى أنّ "في ظلّ هذا المشهد الكارثي، يخرج من يقول إنّ الوزارة راعت الظّروف"، سائلًا: "أيّ ظروف تمّت مراعاتها؟ هل توقّفت الحرب؟ هل عاد الاستقرار؟ هل عاد المهجّرون إلى منازلهم؟ هل تراجع الخوف عن التلاميذ؟ كفى استخفافًا بعقول النّاس"، موضحًا أنّ "الظّروف لا تتحسّن بل تزداد سوءًا ساعةً بعد ساعة، والضّغط النّفسي على التلاميذ وأهاليهم يتفاقم بشكل غير مسبوق".
واعتبر الحشيمي أنّ "الحديث عن تقليص المواد أو اعتماد بعض التسهيلات، ليس إلّا محاولةً لتجميل قرار ظالم من أساسه، لأنّ المشكلة ليست في عدد المواد بل في استحالة تأمين الحدّ الأدنى من العدالة النّفسيّة والاجتماعيّة والصحيّة والتربويّة بين التلاميذ". وأعلن "أنّني أؤيّد بشكل كامل موقف التفتيش التربوي، لأنّه عبّر عن المقاربة التربويّة والعلميّة والإنسانيّة الّتي كان يُفترض بوزارة التربية أن تعتمدها منذ البداية. التفتيش التربوي فهم الواقع، لجنة التربية النيابية فهمت الواقع، المدراء والأساتذة والأهالي فهموا الواقع، فلماذا وحدها وزيرة التربية وفريقها الضيّق يصرّ على تجاهله؟! أم وراء الأكمَّة ما وراءها!".
وأضاف: "أنا كتربوي أمضيت أكثر من ثلاثين عامًا في هذا القطاع، أرفض أن يُختزل مفهوم التربية بقرار إداري جامد. التربية ليست عنادًا، وليست استعراضًا شكليًّا تحت شعار هيبة الشّهادة. فالشّهادة الرّسميّة ليست صنمًا نعبده، وليست مقدّسة إلى حدّ التضحية بالتلاميذ من أجلها"، مذكّرًا بأنّه "تخرَّج عبر الإفادات، وفي ظروف استثنائيّة سابقة، آلاف الأطبّاء والمهندسين والاختصاصيّين، ونجحوا في لبنان والخارج، ولم تسقط التربية يومًا".
وركّز على أنّه "ها هي وزارة التربية الفرنسية، وفي قرار مسؤول يحترم حياة التلاميذ وسلامتهم، أعلنت إلغاء امتحانات البكالوريا الفرنسية والبريفيه في لبنان وعدد من دول المنطقة، واعتمدت التقييم المستمر وأعمال السّنة بديلًا عادلًا ومنصفًا"، متسائلًا: "إذا كانت دولة بحجم فرنسا قدّمت سلامة التلاميذ على الشّكل الإجرائي للامتحان، فبأيّ منطق تُصرّ وزارتنا على قرار يناقض الواقع، ويخالف أبسط المبادئ التربويّة؟".
وشدّد الحشيمي على أنّ "التربية لا تصمُد بالشّعارات، بل تصمد حين نحمي تلاميذنا ونعيش أزماتهم، ونَفهم وجع الأهل ودموع الأمهات وقلق الآباء ومأساة العائلات النّازحة"، مؤكّدًا أنّ "الاستمرار بهذا النّهج هو استخفاف بلجنة التربية، الّتي وَضعت توصياتها الخطيّة كخلاصة لموقف العائلة التربويّة المعنيّة المباشرة بهذا الاستحقاق الوطني، واستخفاف بالتفتيش التربوي المغيّب كليًّا منذ تولّي الوزيرة للوزارة، واستخفاف بالسّلامة العامّة لمئات المدارس المعتمَدة كمراكز للامتحانات، وآلاف الأهالي الّذين سينقلون أولادهم من وإلى مراكز الامتحانات؛ ولحوالي 45 ألف تلميذ مرشّح للامتحانات الرّسميّة".
إلى ذلك، وجّه نداءً مباشرًا ومفتوحًا إلى رئيس الجمهوريّة و"نحن الّذين أودعناه كلجنة تربية مذكرةً خطيَّةً تبيّن المخاطر المحدقة بسلامة التلاميذ والأساتذة على حدّ سواء، والصعوبات اللوجستيّة الّتي تحول دون تطبيق آليّة وزارة التربية والتعليم العالي البعيدة كلّ البُعد عن الواقع، والمبنيّة على جداول صوريّة لا تمتّ إلى الواقع بصلة، كما ورئيس مجلس النّواب الحريص على الوحدة الوطنيّة والسلم الأهلي وعلى رأسها سلامة التلاميذ، ورئيس مجلس الوزراء الّذي يدرك الاستحالة اللّوجستيّة في إجراء الامتحانات وفق الآليّة المعدَّة من قبل وزارة التربية، الّتي أُعلن عنها في المؤتمر الصحفي قبل صدور المراسيم"، قائلًا: "تدخّلوا الآن، أوقفوا هذا الظّلم، وكفّوا أذى هذا القرار عن تلاميذ لبنان".
وتابع: "أقولها بكلّ وضوح سياسي وأخلاقي: إذا كانت وزيرة التربية عاجزة عن رؤية هذه المأساة، أو غير قادرة على اتخاذ القرار الشّجاع الّذي يفرضه الواقع، فعليها أن تتحمّل مسؤوليّتها وأن تتنحّى فورًا"، جازمًا أنّ "لبنان يحتاج اليوم إلى وزير يدافع عن التلاميذ، لا إلى إدارة تصرّ على ظلمهم وجعلهم حقل تجارب لمصالح شخصيّة ضيّقة".
ولفت الحشيمي إلى أنّ "موقفنا واضح وحاسم: لا امتحانات رسميّة في ظلّ القصف والنّزوح والإخلاءات والانهيار النّفسي الّذي يعيشه تلاميذ لبنان، والمطلوب فورًا قرار وطني شجاع بإلغاء الامتحانات الرّسميّة، وإلّا تأجيلها لحين جلاء الصّورة واعتماد صيغة عادلة ومنصفة تحفظ حقوق التلاميذ وتصون كرامتهم".
وركّز على أنّ "إنصاف أبنائنا اليوم ليس خيارًا إداريًّا، بل واجب وطني وأخلاقي وإنساني. فلا تجعلوا أبناء لبنان يدفعون ثمن حرب لم يصنعوها، ولا تحوّلوا الامتحانات الرّسميّة إلى وصمة سوداء في تاريخ التربية اللبنانية".























































