على الرغم من الإعلان عن وقف شامل للنار، تواصلت الخروقات والاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية، مُستدرجة ردودًا متعدّدة من "حزب الله" بلغ بعضها المستوطنات الحدودية، بشكل هدّد بنسف الاتفاق من أساسه! فما الذي تُريده إسرائيل، وما قيمة ما عرضته السُلطة اللبنانية الرسمية من تعهّدات خلال المفاوضات الأخيرة في واشنطن، وعلى ماذا يُراهن "حزب الله"، والأهم ما الذي سيحصل في الأيّام والأسابيع القليلة المقبلة؟
بالنسبة إلى إسرائيل فهي تُحاول ترجمة ما حقّقته عسكريًا من تقدّم ميداني في القرى والبلدات الجنوبية إلى أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية. ومن ثمَّ، فإنّ الجانب الإسرائيلي غير مُستعجل على الإطلاق في التقيّد بأي وقف للنار، حتى لو جاء من واشنطن وبرعاية أميركية. ومن المتوقّع أن يُحافظ الجيش الإسرائيلي على وتيرة عمليّاته، راميًا كرة النار في ملعب الحكومة اللبنانية، إذ يشترط أن تسبق إجراءات السُلطة السياسية في لبنان، وتدابير الجيش اللبناني الحازمة على الأرض، أي وقف فعلي للنار من جانبه، وأي انسحاب من أي منطقة! وتبقى إسرائيل مُصرّة على احتلالها في الجنوب، وعازمة على استعمال هذا الواقع الميداني باعتباره ورقة ضغط على الجانب اللبناني، لإجباره على تنفيذ التعهُّدات التي قطعها في واشنطن بشكل ملموس على الأرض.
وبما أنّ الموقف الإسرائيلي المَذكور يُعدّ مُتشدّدًا إلى أقصى الدرجات، طُرحَت أسئلة عدّة بشأن جدوى المفاوضات التي خاضها لبنان الرسمي، والتي ينوي استكمالها في 22 حزيران الحالي. وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ ما حاول الوفد اللبناني الخروج به من مفاوضات واشنطن يتمثّل في خريطة طريق كاملة المواصفات مع وقف التنفيذ! بمعنى آخر، إنّ السلطة في لبنان تأمل إزالة الفيتوات من أمام طريق تنفيذ اتفاق وقف النار، وهي تُصنّف هذا الأخير أفضل الممكن في ظلّ الوقائع على الأرض وموازين القوى السائدة، إلى درجة دفعت بكل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى وصف الاتفاق بالفرصة الأخيرة، مع تلميحهما إلى المخاطر المترتبة عن رفضه. وتطمح السُلطة الرسميّة أن يقتنع "حزب الله" - عاجلًا أم آجلًا - بأنّ خيار القتال سيُسفر عن سقوط المزيد من الضحايا وعن توسّع دائرة الدمار والنزوح، ولن يؤدّي إلى تحرير الأرض المحتلّة، ولا إلى إعادة النازحين، ولا إلى إعادة الإعمار. وهي تطمح أن يقتنع الجانب الإسرائيلي أيضًا بأنّ استمرار حربه لن يمنع "الحزب" من مواصلة استهداف قواته في القرى والبلدات المحتلة ولا داخل العمق الإسرائيلي. وعندها فقط يُمكن أن يباشر الجيش اللبناني، بضوء أخضر من السُلطة الرسمية في لبنان، باتخاذ ما يلزم من إجراءات لإعادة الأمان إلى المنطقة الجنوبية الحدودية، ولو بوتيرة بطيئة وعبر مراحل متدرّجة، على نمط التحرّك السريع الذي قاده إلى دبين بُعيد انسحاب قوات الاحتلال منها.
بالانتقال إلى الفريق الأساسي الآخر المَعني، أي "حزب الله" فهو غير مهتمّ إطلاقًا بالاتفاقات اللبنانية–الإسرائيلية التي جرى التوصّل إليها أخيرًا برعاية أميركية، الأمر الذي عبّر عنه صراحة أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في كلمة مكتوبة وصف فيها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بالعبثية والمُذلّة، والاتفاق الذي نجم منها بالاستسلام والهزيمة، مؤكدًا أنّ نتيجة المفاوضات مرفوضة جملة وتفصيلًا. وإذ أكّد أنه لم يُعط التزامًا لأحد بعدم مواجهة إسرائيل، قال: "ما دام الاحتلال موجودًا فالمقاومة مُستمرّة"، وأضاف مُتوعّدًا: "ما دامت قرانا غير آمنة تُقصف وتُهدم ويُقتل شعبنا، فلن تكون المستوطنات آمنة، وسيروا بأسنا وشدّتنا." وإذا كان صحيحًا أنّ "حزب الله" يريد التوصّل إلى وقف شامل للنار، اليوم قبل الغد، بغرض التقاط أنفاسه من جديد–إذا جاز التعبير، فالأصحّ أنّه يريد أن يأتي اتفاق وقف النار المَنشود من قبله، بشروط مختلفة تمامًا عمّا تمّ صياغته في واشنطن. ويراهن "الحزب"، الذي أبلغ السلطة اللبنانية رفضه لاتفاق واشنطن، على أن تتمكّن إيران من توقيع اتفاق شامل مع الولايات المتحدة الأميركية في المستقبل القريب، على أن تنصّ إحدى بنوده على وقف النار في لبنان، وفق معايير مرسومة من قبل طهران نفسها، تتيح له الاستمرار بوضعيته الأمنيّة، ولو بشكل غير ظاهر، تمامًا كما حصل خلال الفترة الفاصلة بين اتفاق "وقف الأعمال العدائية" الذي كان جرى التوصّل إليه في 27 تشرين الثاني 2024، وتجدّد المواجهات العسكرية بين لبنان وإسرائيل بشكل واسع في لبنان اعتبارًا من الثالث من آذار الماضي. انطلاقًا ممّا سبق، لا يرغب الحزب الله بإعطاء أي أهمية أو مصداقية لاتفاق واشنطن، مراهنًا كليًا على أن تتمكّن طهران من قلب الطاولة لصالحه في المستقبل القريب، بما يُمكّنه من عدم التقيّد بالشروط القاسية القاضية بإخلائه الجنوب بشكل كامل، من المقاتلين والسلاح.
في الخلاصة، الأيّام والأسابيع القليلة المقبلة ستكون مُثقلة بالرسائل المتبادلة من العيار الثقيل–إذا صحّ القول، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على الصعيدين العسكري والأمني أيضًا، حيث من المتوقّع أن لا يتمّ التقيّد بوقف النار قبل تبدّل المُعطيات الراهنة. وثمة مخاض عسير على لبنان واللبنانيّين عبوره قبل وقف الحرب نهائيًا بين إسرائيل و"حزب الله"، ولا أحد يُمكنه حاليًا التكهّن فعليًا بطول الفترة الزمنية التي يستوجبها هذا المخاض العسير والعنيف.
ناجي س. البستاني






















































