لم يكن اتفاق واشنطن لوقف إطلاق النار حدثًا عاديًا في مسار الحرب المفتوحة على لبنان. فالمشكلة التي انفجرت بعد الإعلان عنه لا تتصل ببنوده الأمنية وحدها، ولا بقدرته على وقف الغارات الإسرائيلية فورًا، إنما بالسؤال الأعمق الذي أعاد الاتفاق طرحه على اللبنانيين: من يملك حق التفاوض باسم لبنان؟ ومن يملك حق القبول أو الرفض عندما تكون الدولة على الطاولة، فيما تملك قوة داخلية أخرى القدرة على التأثير في الميدان؟
في الوقائع، جلست الدولة اللبنانية إلى طاولة التفاوض في واشنطن بوصفها الطرف الرسمي الذي يفاوض ويوافق ويتلقى الضمانات، لكنّ "حزب الله" خرج سريعًا ليعلن، على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، أنّ الاتفاق "مرفوض جملةً وتفصيلًا"، وأن الحزب لا يقبل مسارًا يطلب منه التزامات أحادية قبل انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها. حتى إنه ذهب أبعد من ذلك، فوصف ما جرى بأنه "مفاوضات مباشرة عبثية ومذلة ومخزية للبنان".
كشف موقف قاسم عن هوّة، سرعان ما منحها رئيس مجلس النواب نبيه بري بعدًا أكثر تعقيدًا. فبري لم يرفض مبدأ وقف النار، إذ قال إنه يوافق على وقف شامل "دون قيد أو شرط برًا وبحرًا وجوًا"، لكنه اعترض على الصيغة التي خرجت من واشنطن، وخصوصًا على إدخال شرط وقف النار الكامل من "حزب الله" وإجلاء عناصره من جنوب الليطاني قبل الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي احتلتها إسرائيل.
بهذا المعنى، بدا بري كأنه يقدّم صيغة ثالثة: قبول وقف النار كعنوان، ورفض آلية التنفيذ كما صيغت أميركيًا. لعلّه أراد صياغة نقطة وصل بين موقف الدولة و"حزب الله"، ليس لأنّ الخلاف بينهما جديد، فتاريخه طويل ومتشعّب. غير أن طبيعة هذا الخلاف تحوّلت اليوم جوهريًا. لم يعد نزاعًا على التوصيف أو التفسير، وصار انفصالًا علنيًا وحادًا حول قرار مصيري يُحدّد مسار الحرب والسلم في البلاد.
مسار التمايز التدريجي
ما يجري اليوم ليس قرار لحظة، إنما نتيجة مسار متراكم بدأ منذ انتخاب جوزاف عون وتكليف نواف سلام. منذ ذلك الحين، شرعت السلطة في عملية تدرّج في التمايز عن "حزب الله"، ابتداءً من الخطاب السياسي، ثم انتقالًا إلى خطوات مؤسساتية أكثر وضوحًا، وصولًا إلى قرار حكومي يحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب ويعتبرها خارج الشرعية القانونية. ثم جاءت الخطوة الأبعد: دخول الوفد اللبناني في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن في نيسان الماضي، في محاولة لنقل مركز الثقل من الميدان العسكري الذي يهيمن عليه الحزب إلى طاولة تفاوض تديرها الدولة وتحظى بدعم أميركي ودولي.
هذا المسار بلغ ذروته مع اتفاق واشنطن. فقد وضع الرئيس عون جميع الأطراف السياسية أمام مسؤولياتها عندما وصف الاتفاق بأنه "الفرصة الأخيرة"، مؤكدًا أن كل فريق سيتحمل مسؤولياته في حال عدم التجاوب. لكنّ "حزب الله" لم يبدُ راضيًا عن النتيجة، ولا عمّا قيل عن انتزاع السلطات موافقته المبدئية، فخرج أمينه العام الشيخ نعيم قاسم ليقول إن الاتفاق مرفوض "جملةً وتفصيلًا من شرائح واسعة من الشعب اللبناني"، وإنه جاء نتاج "مفاوضات مباشرة عبثية ومذلة ومخزية للبنان".
هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الهوّة بين القرار الرسمي وقرار "حزب الله"، لكنها قد تكون من المرات النادرة التي تظهر فيها الهوّة في لحظة تفاوضية واحدة، وعلى ملف يتصل مباشرة بالحرب والسلم. ففي السابق، كان التباين يُدار عبر الغموض، أو عبر الصيغ العامة التي تسمح لكل طرف بأن يحتفظ بتفسيره الخاص.
أما اليوم، فقد وضع اتفاق واشنطن، ورفض الحزب، واعتراض بري على ترتيب الخطوات، الأزمة على الطاولة من دون أقنعة كثيرة: الدولة تحتاج إلى ترجمة ما وافقت عليه، والحزب لا يريد أن يتحول هذا القبول إلى التزام غير مباشر يقيّد حركته.
هوّة الشرعية: من يمثّل لبنان؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الانفصال ليس سياسيًا فقط، وإنما دستوري في عمقه أيضًا: حين تجلس الدولة اللبنانية إلى طاولة التفاوض بوصفها الممثل الرسمي الوحيد، وحين يرفض "حزب الله" ما وُقّع باسم لبنان، فأيّ لبنان يُقصد؟
في ظاهر الأمر، تبدو المعادلة محسومة دستوريًا. الدولة هي التي تفاوض، والحكومة هي التي تتحمل مسؤولية القرار السياسي، والمؤسسات الرسمية هي التي تخاطب الخارج باسم لبنان. غير أنّ الواقع اللبناني أكثر تعقيدًا من النصوص الدستورية. ففي ملف الجنوب تحديدًا، لا تكفي الشرعية القانونية وحدها لإنتاج شرعية ميدانية، لأن الوقائع التي حكمت المنطقة منذ سنوات طويلة جعلت "حزب الله" طرفًا مقررًا في الحرب، وإن لم يكن طرفًا موقعًا على الاتفاق.
هنا تكمن عقدة اللحظة الراهنة. فالدولة لا تستطيع أن تقول للخارج إنها ليست مسؤولة عن تنفيذ ما وافقت عليه، لأن ذلك سيقوّض صورتها ويحوّل الاتفاق إلى وثيقة شكلية. وفي المقابل، لا تستطيع أن تتجاهل أنّ أي مسار تنفيذي يتصل بجنوب الليطاني، أو بانتشار الجيش، أو بمفهوم السيطرة الحصرية، سيصطدم بالضرورة بحسابات الحزب وبنظرته إلى ميزان القوة والضمانات. لذلك، فإن السؤال لا يتعلق بشرعية توقيع الدولة أو قبولها، فهذا محسوم نظريًا، إنما بقدرتها السياسية والميدانية على تحويل هذه الشرعية إلى واقع.
من جهة أخرى، لا يريد "حزب الله" أن يظهر كمن يمنح الدولة تفويضًا مجانيًا للذهاب إلى اتفاق لا يرى فيه توازنًا كافيًا. فالحزب يعتبر أنّ أي وقف للنار لا يقترن بانسحاب إسرائيلي واضح، وبوقف الاستهدافات، وبضمانات فعلية، يمكن أن يتحول إلى مسار أحادي يُطلب من لبنان فيه الكثير، من دون أن يحصل في المقابل على ما يكفي من الالتزامات الإسرائيلية. بهذا المعنى، لا يرفض الحزب الاتفاق كنص فقط، وإنما يرفض ما يراه محاولة لإعادة ترتيب الجنوب تحت ضغط الحرب.
في هذا الإطار، يكتسب موقف بري أهمية خاصة. فهو لا ينسف فكرة وقف النار من حيث المبدأ، لكنه يعيد ترتيب شروطها من زاوية مختلفة: وقف شامل وغير مشروط للنار، وانسحاب متوازٍ، لا مسار يبدأ بإبعاد "حزب الله" عن جنوب الليطاني ثم ينتظر ما ستفعله إسرائيل لاحقًا. لكن هذه المقاربة، مهما بدت أكثر واقعية في الداخل، لا تُسقط مأزق الدولة. فإذا قبلت الاتفاق وعجزت عن تنفيذه، ستبدو ضعيفة أمام الخارج. وإذا حاولت فرضه بمعزل عن تفاهم داخلي، ستبدو كأنها تذهب إلى مواجهة لا تملك ظروفها. وإذا تراجعت عنه، ستخسر فرصة سياسية قد لا تتكرر سريعًا، خصوصًا في ظل اندفاعة أميركية واضحة لجعل الاتفاق مدخلًا إلى إعادة تثبيت القرار الأمني الرسمي في الجنوب.
هل يضعف الانقسام موقف لبنان أم يعزّزه؟
السؤال الأهم في هذه اللحظة هو ما إذا كان الانقسام الداخلي يضعف موقع الدولة اللبنانية في مواجهة واشنطن وتل أبيب، أم يمنحها هامشًا إضافيًا للمناورة.
للوهلة الأولى، يبدو الجواب سهلًا: كلما انقسم الداخل، ضعف المفاوض الرسمي. فواشنطن تريد طرفًا قادرًا على الالتزام، وإسرائيل تريد ضمانات قابلة للتنفيذ، وأي تباين حاد بين الدولة والحزب يسمح للطرفين بالقول إن لبنان لا يملك قرارًا موحدًا. غير أنّ التجربة اللبنانية تقول إن الأمور لا تسير دائمًا بهذه البساطة. ففي بعض اللحظات، يمكن للتباين الداخلي أن يتحول إلى ورقة تفاوضية غير معلنة.
بهذا المعنى، تبرز قراءتان متعارضتان لما يجري، وكلتاهما تستحق النظر.
القراءة الأولى ترى أن رفض "حزب الله" يُضعف موقع الدولة التفاوضي، لأنه يكشف أن ما وقّعه الوفد اللبناني في واشنطن لن يجد طريقه إلى التطبيق الميداني ما لم يُترجَم داخليًا. وإسرائيل، التي تعلم ذلك جيدًا، تستطيع أن تستخدم هذه الهوّة مبررًا لتأجيل الانسحاب أو رفض الالتزام، في ظل تمسّك تل أبيب بربط أي التزام فعلي بحسم ملف سلاح "حزب الله".
القراءة الثانية تذهب عكس ذلك تمامًا. فرفض الحزب العلني، من هذه الزاوية، يمنح الدولة ورقة ضغط غير متوقعة: أن تقول للمجتمع الدولي إنها تواجه قوة مسلحة خارج سيطرتها، وأنها تحتاج إلى دعم دولي وضغط فعلي لا وعودًا، لتتمكن من تنفيذ ما وقّعت عليه. كما تستطيع أن تستخدم اعتراض بري ورفض الحزب لتبرير الحاجة إلى تنفيذ متدرج ومتوازن، بدل الذهاب إلى ترتيبات سريعة لا يمكن تثبيتها. بهذا المعنى، قد يصبح الاعتراض الداخلي عامل ضغط على الوسطاء، لا عامل تعطيل فقط.
لكن خطورة هذه الورقة أنها قابلة للانقلاب على أصحابها. فإذا بدا أن الدولة تستخدم رفض الحزب لتخفيف الشروط، فقد تفهم واشنطن ذلك كعجز بنيوي لا كهامش تفاوضي. وإذا بدا أن الحزب يستخدم الدولة غطاءً لتخفيف الضغط ثم يرفض كل ترجمة ميدانية، فقد يتحول الاتفاق إلى منصة جديدة للتصعيد. وإذا تعاملت إسرائيل مع الانقسام اللبناني كفرصة لمواصلة العمليات تحت عنوان غياب الطرف القادر على الضمان، فإن لبنان سيدفع ثمنًا إضافيًا من أمنه واستقراره.
الأزمة الحقيقية: مَن يُنفّذ ما وُقِّع؟
ما تكشفه هذه اللحظة أن أزمة الشرعية التفاوضية في لبنان ليست في الورق، وإنما في الأرض. يمكن للدولة أن توقّع وأن تُعلن وأن تُدين، لكن قيمة كل ذلك محكومة في نهاية المطاف بسؤال واحد: هل تملك الأدوات الكافية لتحويل ما توصّلت إليه إلى واقع؟
قد لا تكون الأزمة الحالية أزمة شرعية بالمعنى الدستوري الضيق، لكنها بالتأكيد أزمة شرعية تفاوضية. فحين تختلف الجهة التي تقبل عن الجهة القادرة على التأثير في الميدان، ويأتي طرف ثالث من قلب المعادلة السياسية ليوافق على وقف النار ويعترض على شروطه، يصبح الاتفاق معلقًا على سؤال شديد الحساسية: كيف تستعيد الدولة قرارها من دون صدام داخلي، وكيف يضمن لبنان وقف النار من دون أن يتحول إلى طرف يقدّم التزامات لا يستطيع تنفيذها؟
هنا بالضبط ستتحدد قيمة اتفاق واشنطن: هل يكون مدخلًا إلى إعادة تركيب السلطة في الجنوب، أم وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف الاتفاقات التي عجزت عن عبور الطريق من السياسة إلى الواقع؟.



















































