أشار رئيس الحكومة ​نواف سلام​، في كلمته خلال احتفال اطلاق العمل في ​مطار القليعات​، "أننا نلتقي في لحظة تحمل أكثر من معنى. نلتقي في شمال البلاد، لكن عيوننا وقلوبنا تبقى ايضاً مشدودة الى الجنوب".

وأوضح أن "رسالتي الأولى اليكم، مثلما ان دولتكم لا تتخلّى عن واجبها في تثبيت حق ​لبنان​ في أرضه وسيادته وامن ابنائه، فهي لا تهمل مسؤوليتها في الانماء وتحقيق النهوض الاقتصادي والعدالة الاجتماعية".

وقال سلام: "من عكّار، من هذه الأرض الخصبة، ومن بين أهلها الطيّبين، أوجه تحية اكبار الى كل قرية وبلدة ومدينة جنوبية، وأقول لأهلها ان معاناتكم هي معاناتنا جميعاً. فكما ان لا استقرار في لبنان طالما بقي الجنوب مهدداً، فهو لن يتعافى إذا بقيت عكار مهملة، والبقاع محروماً".

وأكد "أننا لسنا هنا أمام مدرج والى جانب طائرة مدنية ومشروع قاعة ركاب جديدة فحسب، بل نحن هنا أمام قرار سياسي وإنمائي ووطني بامتياز: ألاّ تبقى منطقة عكّار خارج اولويات الدولة الإنمائية. رغم ما قدمته الى الوطن، لا سيما بانخراط الالاف من ابنائها في قواته المسلحة واستشهاد العديد منهم، عانت عكّار، على مدى عقود، من الحرمان والتهميش وضعف الاستثمار في البنى التحتية والخدمات وفرص العمل. وهذا ليس توصيفًا إنشائيًا، بل واقع تؤكده الأرقام".

ولفت رئيس الحكومة، إلى أن "محافظة عكّار سجّلت أعلى معدّل فقر بين المحافظات اللبنانية، بنسبة بلغت 62 في المئة، مقارنة بـ23 في المئة على المستوى الوطني. وسجّلت أيضًا أدنى نسبة مشاركة للسكان في النشاط الاقتصادي وسوق العمل، بمستوى لا يتجاوز 35 في المئة، مقارنة بـ43 في المئة على المستوى الوطني. كما تظهر المؤشرات إلى أن نحو ربع سكان المحافظة هم عاطلون عن العمل".

واعتبر أن "الاهم ان خلف هذه الأرقام قصص عائلات، وشباب وشابات في قرى وبلدات انتظرت طويلًا أن يصلها الإنماء، لا كوعود موسمية، بل كسياسات عامة ومشاريع فعلية".

وشدد سلام، على أن "إطلاق أعمال تأهيل وتشغيل مطار القليعات ليس مشروعًا استثماريًا فحسب، بل هو خطوة في صلب الإنماء المتوازن، وفي صلب العدالة بين المناطق، وفي صلب مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها".

وتابع: "عندما مثلت حكومتنا أمام مجلس النواب، قلنا في البيان الوزاري بوضوح إن الحكومة ستعمل على تشغيل مطار رينيه معوّض في القليعات لأهميته الإنمائية. لم تكن هذه العبارة هامشاً في نص، بل كانت التزامًا أمام اللبنانيين.

واليوم نحن هنا لنقول إن هذا الالتزام بدأ يتحوّل إلى واقع. والاهم، ان التزامنا في البيان الوزاري بالنهوض بالشمال وعكّار اتى من ضمن رؤية متكاملة، لا تقتصر على تشغيل مطار القليعات، بل من خلال أربع ركائز استراتيجية"، شملت ايضاً تفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، واستكمال مشروع معرض رشيد كرامي الدولي، وتطوير مرفأ طرابلس، موضحا أن "كل هذه الملفات قطعنا فيها خطوات عملية، كما تعلمون".

وأشار سلام، إلى أن "في آذار من العام الماضي، جئنا إلى هذا المطار. هبطنا على مدرجه بمروحية تابعة للجيش اللبناني، وجددنا التزام الحكومة إعادة تشغيله للأغراض المدنية، ووقّعنا اتفاقًا مع شركة دار الهندسة لإعداد مخطط توجيهي ومن ثم دراسة جدوى أولية، وقد قدّمتها الدار لنا مشكورة مجاناً. بعد ذلك ورغم الأزمات وتراكم الملفات، تابعنا العمل على الجوانب القانونية والإدارية. أُُعدّ دفتر شروط. أطلقت المزايدة وفق الأصول. وفاز بها صاحب العرض الأكثر تنافسية".

وأضاف: "اليوم، أتينا إلى القليعات لنضع حجر الأساس لهذه الورشة، على متن طائرة تجارية، في رسالة واضحة أن هذا المطار لم يعد فكرة مؤجلة، بل مسارًا بدأ يتجسد فعلاً. ورهاننا ان يفتح تشغيل هذا المطار أمام عكّار والشمال فرصًا جديدة في العمل، والخدمات، والنقل والشحن، والتجارة والسياحة".

وأكد رئيس الحكومة، أن "هذا المطار ليس بديلًا عن مطار بيروت. فلبنان يحتاج إلى بنية جوية حديثة ومتكاملة، كما يحتاج إلى ربط مناطقه بالدورة الاقتصادية الوطنية. وقريباً، بإذن الله، تكون الرحلات من هذا المطار قد انطلقت، فلا تبقى عكار منطقة على أطراف الوطن، بل مركزاً اقتصادياً فاعلاً فيه، وبوابة من بوابات لبنان على الشقيقة سوريا ومحيطه العربي، لا بل على العالم الأرحب".

وقال سلام: "لمطار القليعات رمزية تتجاوز الإنماء والاستثمار. هذا المكان ليس مجرد منشأة نعيد تأهيلها. هذا المكان هو جزء من الذاكرة السياسية والدستورية للبنان. فبعد انتهاء اجتماعاتهم في مدينة الطائف، وعودة النواب من المملكة العربية السعودية، انعقد في 5 تشرين الثاني 1989 مجلس النواب هنا، في مطار القليعات. وهنا أُقرّت في صيغتها الدستورية "وثيقة الوفاق الوطني" التي باتت معروفة باتفاق الطائف. وهنا انتُخب الرئيس رينيه معوّض رئيسًا للجمهورية، قبل أن يُغتال بعد أيام قليلة وهو يحاول أن ينقل لبنان من حالة الحرب إلى السلم الاهلي. ولهذا يحمل هذا المطار اسمه".

واوضح انه "لذلك، فإن إعادة الحياة إلى مطار القليعات ليست فقط إعادة تشغيل مرفق عام، هي أيضًا استعادة لمعنى الدولة. استعادة لذاكرة الطائف، لا كوثيقة جامدة، بل كمشروع سياسي لم يكتمل بعد. وقد قال الطائف إن الإنماء المتوازن، ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، هو ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام. وهذا ما نعمل على تحقيقه اليوم".

ولفت الى "أننا نحوّل الإنماء المتوازن من عبارة في وثيقة دستورية إلى ورشة عمل، ومن وعد مؤجل الى مشروع قيد التنفيذ. لكن استكمال الطائف لا يكون بالإنماء وحده، ولا يكون باللامركزية الإدارية الموسعة وحدها، وسائر الإصلاحات التي تأخر تنفيذها طويلاً. استكمال تطبيق الطائف يتطلب أيضًا ان تقوم الدولة، ببسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية، كما اتى حرفياً في نص هذا الاتفاق، وبحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وبانسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، وبعودة الأمن والاستقرار إلى الجنوب، وبإعادة الإعمار".

وشدد سلام، على أن "مسار الطائف هو مسار الدولة السيدة، الحامية والضامنة لكل اللبنانيين. وهو مسار الإصلاح ومسار الإنماء المتوازن. وهذا هو مسارنا الذي أكدنا عليه في بياننا الوزاري. ولن نتراجع عنه".

وقال رئيس الحكومة: "أشكر كل من ساهم في إنجاح مغامرة إعادة تشغيل هذا المطار، واخص بالذكر وزارة الأشغال العامة والنقل، الجيش اللبناني، الهيئة الناظمة للطيران المدني، المديرية العامة للطيران المدني، كل الجهات الرقابية والإدارية والأمنية المعنية، دارالهندسة. وأوجّه تحية خاصة إلى أبناء عكّار، الذين انتظروا طويلًا، وصبروا طويلًا، والاهم انهم تمسكوا بحقهم في الإنماء والعدالة والكرامة، فتحقق هدفهم اليوم في إعادة الحياة الى مطار رينه معوض".

وأضاف: "من القليعات، كما انطلقت قبل عقود محطة ​سياسة​ مفصلية في تاريخ الجمهورية، نطلق اليوم رسالة جديدة: لا مناطق منسية بعد الآن، ولا إنماء مؤجلاً بعد اليوم. دولة واحدة، وفرص واحدة، ومستقبل واحد لكل اللبنانيين".