منذ بدء الحرب ال​إسرائيل​ية على لبنان، ردًا على فتح "​حزب الله​" ما سمّاه "جبهة الإسناد" للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، في وجه "حرب الإبادة" التي كان يتعرّض لها بعد عملية "طوفان الأقصى"، شهد اللبنانيون اتفاقات عدّة لوقف إطلاق النار، لا جامع بينها سوى أنّها بقيت حبرًا على ورق ولم تطبَّق على الأرض، فاستمرّت الحرب بكلّ أشكالها الدموية، تارة باسم "هامش حركة" قيل إنّ الاتفاق كرّسه لإسرائيل، وطورًا بذريعة الردّ على "انتهاكات" الحزب.

عمليًا، بقيت كلّ الاتفاقات عصيّة على الترجمة، فإسرائيل نجحت في فرض "إيقاعها" على كلّ المسارات، حتى إنّها استمرّت بالحرب "أحاديًا" لأكثر من عام، حين اختار "حزب الله" أن يلتزم باتفاق لم تلتزم هي به، وبقي لعام كامل متمسّكًا بالوقوف خلف الدولة التي اعتمدت الدبلوماسية خيارًا وحيدًا، ومكتفيًا بالدعوة إلى الضغط على إسرائيل من أجل أن تلتزم بالاتفاق، إلى أن عاد إلى الانخراط العسكري الواسع بعد اغتيال المرشد الأعلى في إيران السيد ​علي خامنئي​.

اليوم، يبدو أنّ لبنان المثقَل باتفاقات وقف إطلاق النار غير المترجمة، لم يعد يكتفي بمسارٍ واحد لتحقيق الغايات المنشودة، فهو ينتظر تقاطع أكثر من اتفاق وأكثر من مسار وأكثر من إرادة، بدءًا من المسار التفاوضي المباشر مع إسرائيل برعاية ​واشنطن​، والذي لا يبدو حتى الآن مبشّرًا بالخير، وصولًا إلى مسار آخر، يبدو متصلًا به ومنفصلًا عنه في آن واحد، وهو مسار المفاوضات القائمة بين أميركا وإيران، وما يُحكى عن مذكرة سيتمّ التوقيع عليها.

المفارقة أنّ لبنان الرسمي يراقب المسارين، وينتظر انعكاساتهما عليه، من دون أن يكون قادرًا على السيطرة العملية على أيّ منهما، بدليل أنّ الاتفاق الذي وافقت عليه الدولة في واشنطن سابقًا لم يجد طريقه إلى التنفيذ بعدما اصطدم بـ"فيتو" من "حزب الله"، الرافض أساسًا لمبدأ المفاوضات المباشرة. هنا يصبح السؤال الحقيقي أبعد من موعد وقف إطلاق النار: من يملك القدرة على كتابة نهاية الحرب في لبنان؟

لبنان من ساحة إلى بند تفاوضي

في السنوات الماضية، اعتاد لبنان أن يكون ساحة لتصفية الحسابات، أو مساحة لتوجيه الرسائل، أو هامشًا متقدمًا في صراع أوسع. الجديد اليوم أن هذه الصفة تتحول إلى بند تفاوضي معلن تقريبًا. فإدراجه المحتمل في أي مذكرة أميركية-إيرانية يعني أن الحرب التي تُدار فوق أرضه لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الحدود الجنوبية أو سلاح "حزب الله" أو الاعتداءات الإسرائيلية، إنما من زاوية صفقة تشمل إيران والعقوبات والملف النووي ومضيق هرمز وموقع إسرائيل في التوازنات المقبلة.

من هذه الناحية، يبدو إدخال لبنان في التسوية المحتملة مكسبًا ظاهريًا. فإذا كانت ​طهران​ قادرة على الضغط من أجل وقف الحرب على لبنان ضمن تفاهمها مع واشنطن، فقد يفتح ذلك بابًا عجز المسار اللبناني المباشر عن فتحه. فالدبلوماسية التي اعتمدتها الدولة لم تنجح وحدها في إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها، والاتفاقات السابقة بقيت بلا ترجمة فعلية، فيما ظلّ الجنوب يدفع الثمن.

لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة أكثر حساسية. فحين يصبح وقف الحرب في لبنان مرتبطًا بتفاهم أميركي-إيراني، فهذا يعني أن قرار الحرب والسلم لا يزال يُناقش خارج المؤسسات اللبنانية، أو على الأقل لا يُحسم داخلها وحدها. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: ما قد يكسبه لبنان من "ضمانة" خارجية، قد يخسره من هامش التأثير في صياغة شروط هذه الضمانة نفسها.

مفارقة الدولة والحزب

عند هذه النقطة، لا يعود النقاش نظريًا حول موقع لبنان في التسوية، إذ سرعان ما ينتقل إلى الداخل اللبناني نفسه، حيث تظهر المفارقة بين الدولة التي تفاوض رسميًا، والحزب الذي يملك القدرة على التأثير في الميدان.

لا يمكن فصل هذا النقاش عن كلام رئيس الحكومة ​نواف سلام​، الذي رأى في رفض إيران لمسار وقف إطلاق النار مؤشرًا إلى أن القرار في لبنان بيدها. فسلام لا يعلّق هنا على تفصيل تفاوضي، بل يضع إصبعه على أصل المأزق: الدولة تريد أن تقدم نفسها بوصفها الطرف الشرعي الوحيد القادر على التفاوض، لكن الواقع الميداني والسياسي يظهر أن أي اتفاق لا يمر عبر حسابات "حزب الله" وإيران يبقى ناقصًا أو معلقًا أو قابلًا للتعطيل.

في المقابل، لا يرى "حزب الله" في إدخال إيران للملف اللبناني في التفاوض مع واشنطن انتقاصًا من السيادة، إنما حماية للبنان من شروط إسرائيلية وأميركية يعتبرها شروط استسلام. من هذه الزاوية، يصبح الدور الإيراني بالنسبة إليه ورقة قوة، لأن الحزب يعتقد أن طهران لن تفرّط بساحة دفعت كلفة عالية في الحرب، ولن تقبل بتسوية تنتهي إلى تفكيك موقعه العسكري والسياسي من دون ثمن إقليمي واضح.

الخطير في هذا السيناريو أن الدولة اللبنانية تفاوض في واشنطن، فيما الجهة التي تملك القرار الميداني تنتظر ما يمكن أن ينتج من تفاوض آخر في مكان آخر. وأي اتفاق يُبرم هناك قد يُقدَّم لاحقًا على أنه الإطار الذي يحكم ما سيُتفق عليه هنا. عندها، لا يعود لبنان طرفًا يفاوض على نهاية الحرب، بل ملفًا يُدرج في تسوية أوسع، يُقايَض ويُؤخَّر ويُستخدم ورقة ضغط في سياق لا يرتبط دائمًا بمصلحة اللبنانيين المباشرة.

إسرائيل وفائض حرية الحركة

المشكلة لا تقف عند الجهة التي تتفاوض، بل تشمل أيضًا معنى ما يجري التفاوض عليه. هل المطلوب تمديد وقف إطلاق النار لمدة محددة، أم تثبيت وقف شامل للحرب، أم فتح مرحلة انتقالية تمهّد لتفاهم أوسع؟

الفرق كبير جدًا. فالتمديد الزمني يترك الباب مفتوحًا أمام عودة الاشتباك بعد انتهاء المهلة، أما إنهاء الحرب فيفترض انسحابًا إسرائيليًا واضحًا، وضمانات أمنية، وآلية مراقبة، وتثبيتًا لدور الجيش اللبناني، ومعالجة ملف النازحين والقرى الحدودية والدمار.

عمليًا، لا يمكن إغفال موقع إسرائيل في هذه المعادلة. فتل أبيب لا تبدو معنية فقط بوقف الهجمات عليها أو بإبعاد عناصر "حزب الله" عن جنوب الليطاني، إنما تسعى إلى تكريس قاعدة عمل جديدة في لبنان: حرية الحركة العسكرية كلما اعتبرت أن هناك تهديدًا يتشكل. هذا ما يجعل أي تفاهم ناقصًا إذا لم يضع حدًا واضحًا لهذه الحرية، لأن وقف النار الذي يسمح بالغارات والاستهدافات والإنذارات لا يتحول إلى استقرار، إنما إلى حرب منخفضة الوتيرة.

يُخطئ من يعتقد أن التوصل إلى تفاهم أميركي-إيراني سيُلزم إسرائيل تلقائياً بوقف عملياتها. تل أبيب بنت استراتيجيتها منذ البداية على مبدأ فصل المسارات: تفاوضٌ هنا، وحرية حركة ميدانية هناك. وهي تتحرك في ​الجنوب اللبناني​ كأن لا سقف يعلوها، فتواصل الغارات، وتُصدر أوامر الإخلاء، وتُعمّق تمركزها شمال الخط الأزرق، بالتوازي مع جلسات التفاوض نفسها.

في هذا السياق، يصبح الجنوب اختبارًا لأي صيغة مقبلة. لا يكفي أن تُكتب البنود في الخارج إذا بقي الميدان مفتوحًا على التأويل. المطلوب، بالنسبة إلى لبنان، ليس هدنة معلقة على النيات، إنما آلية تنفيذ واضحة: انسحاب إسرائيلي، انتشار فعلي للجيش، وقف شامل للاعتداءات، ضمانات تمنع العودة إلى القصف، وتعامل جدي مع ملف السلاح ضمن مسار لبناني لا يظهر كأنه إملاء خارجي.

غير أن الوصول إلى هذا المستوى من الوضوح لا يبدو سهلًا. فإسرائيل تريد ضمانات ضد "حزب الله"، والحزب يريد ضمانات ضد إسرائيل، والدولة تريد ضمانات للطرفين وعليهما، فيما واشنطن وطهران تديران جانبًا من الصورة وفق حسابات أوسع من لبنان. بهذا المعنى، لا تكمن العقدة في كتابة الاتفاق فقط، إنما في الجهة التي ستملك تفسيره عند أول خرق.

الخطر الحقيقي

قد يقول البعض إن المهم الآن هو وقف الحرب بأي طريقة، حتى لو جاء ذلك عبر تفاهم أميركي-إيراني. هذا الرأي مفهوم في بلد دفع ثمنًا عاليًا، خصوصًا في الجنوب، حيث لم تعد الأولوية لدى الناس تدور حول هندسة التسويات، إنما حول العودة إلى البيوت ووقف النزف والخروج من الخوف اليومي. لكن التجارب اللبنانية تقول إن طريقة وقف الحرب لا تقل أهمية عن وقفها نفسه، لأن الاتفاقات التي تترك الأسئلة الكبرى معلقة تتحول لاحقًا إلى مقدمات لجولات جديدة.

لذلك، يحتاج لبنان إلى الاستفادة من أي تقاطع خارجي يوقف الحرب، من دون أن يتحول هذا التقاطع إلى بديل عن قراره الوطني. يستطيع لبنان الرسمي أن يقول إن أي ضغط على إسرائيل مرحب به، وإن أي تفاهم يوقف الاعتداءات يخدم المصلحة الوطنية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يقبل بأن يُختصر دوره في انتظار ما تقرره واشنطن وطهران. فالدولة التي لا تكون شريكة في كتابة نهاية الحرب، ستجد نفسها لاحقًا عاجزة عن إدارة ما بعدها.

هنا تحديدًا تقع حساسية اللحظة. إذا نجح لبنان في تحويل إدراجه في التفاهم الإقليمي إلى رافعة لوقف الحرب، واستثمر ذلك في تثبيت سلطة الدولة جنوبًا، فقد تكون النافذة الخارجية فرصة. أما إذا تحول الأمر إلى تسوية فوقية تُدار من الخارج، وتُترك تفاصيلها للتوازنات المسلحة والضربات الإسرائيلية والرسائل الإيرانية، فسيخرج لبنان من الحرب كما دخلها: حاضرًا في الميدان، غائبًا عن القرار.

في النهاية، لا يكفي أن يُذكر لبنان في مذكرة تفاهم كي يكون رابحًا. المهم أن يكون حاضرًا في مضمونها، في ضماناتها، وفي آلية تنفيذها.