مع تقارب وجهات النظر بين ​الولايات المتحدة الاميركية​ و​ايران​ اكثر فأكثر، يقف ​لبنان​ على تقاطع الطريق المنتظر، لمعرفة تأثير التطورات المتلاحقة المقبلة على وضعه سياسياً وامنياً واقتصادياً وحياتياً، وهو الذي لطالما ارتبط اسمه بـ"صندوق البريد" بين الدول لتبادل الرسائل، ولا يختلف اليوم عن الامس في هذا السياق. للوهلة الأولى، بدا إصرار إيران على إدراج لبنان ضمن أي اتفاق لوقف التصعيد الإقليمي بمثابة موقف داعم له ومطالبه في إنهاء الحرب. لكن قراءة أكثر عمقاً تكشف أن الأمر يتجاوز البعد التضامني المباشر، فالدول لا تتفاوض عادة انطلاقاً من اعتبارات أخلاقيّة مجردة او لمصلحة الآخرين، بل بما يرضي مصالحها وأولوياتها. من هنا، يمكن فهم الإصرار الإيراني على وقف الحرب في لبنان باعتباره نقطة التقاء بين المصلحة اللبنانية والمصلحة الإيرانية، لا باعتباره تعبيراً عن تطابق كامل بينهما.

تدرك ​طهران​ أن استمرار الحرب في لبنان يهدّد إحدى أهم ساحات نفوذها الإقليمي، كما يهدد التوازن الذي بنت عليه جزءاً أساسياً من استراتيجيتها في مواجهة ​إسرائيل​ والولايات المتحدة. لكن المثير للاهتمام أن الحديث عن وقف الحرب لم يترافق مع إصرار مماثل على وضع جدول زمني واضح وملزم لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا جرى التركيز على وقف اطلاق النار واسقاط التركيز على إنهاء الاحتلال؟ الجواب المحتمل يكمن في طبيعة التفاوض نفسه. فوقف إطلاق النار يمثل هدفاً قابلاً للتحقق ضمن تفاهمات أمنية عاجلة، بينما يرتبط الانسحاب الإسرائيلي الكامل بحسابات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً. كما أن تل ابيب تبدو أقل استعداداً لتقديم التزامات واضحة في هذا المجال، الأمر الذي يجعل إدراج مثل هذا البند شرطاً مسبقاً كفيلاً بإفشال أي تفاهم من أساسه. ولكن ثمة عامل آخر ايضاً، وهو أن مسألة الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة يجب ان تترك الى اللبنانيين انفسهم، ودخول إيران المباشر على خط هذا الملف كان سيضعها عملياً في موقع المفاوض نيابة عن الدولة اللبنانية، وهو أمر كان سيزيد الشرخ في لبنان ويقوّض اكثر فأكثر صورة الدولة السيادية في الداخل كما في الخارج، ولا يمكن تبرير تولي دولة اخرى مسؤوليّة تحرير اراضي دولة ذات سيادة، كما ان التباين يطرح بدوره سؤالاً آخر يتعلق بانعكاس التوتر بين ​بيروت​ وطهران على المفاوضات الجارية.

في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر ارتياحاً للتعامل مع لبنان كطرف تفاوضي مستقل بدلاً من طرق ابواب إيران حول الملف اللبناني، فإدخال الجمهورية الاسلامية مباشرة في التفاوض يحوّل القضية من نزاع حدودي وأمني محدود إلى جزء من صراع إقليمي واسع يشمل ملفات النفوذ و​البرنامج النووي​ والعقوبات والتوازنات الاستراتيجية في ​الشرق الأوسط​. ومع ذلك، فإن إسرائيل تدرك أيضاً أن تجاهل إيران بالكامل ليس خياراً واقعياً. فحتى لو كانت الدولة اللبنانية هي الطرف الرسمي على طاولة المفاوضات، تبقى إيران لاعباً مؤثراً في البيئة السياسية والأمنية التي ستحدد نجاح أي اتفاق أو فشله.

لا تدور المعركة السياسية الحالية حول وقف النار فقط، ولا حول الانسحاب الإسرائيلي فقط، بل حول الدور الايراني في بيروت والحفاظ عليه كموقع قوة لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص لبنان، بينما تحاول الدولة اللبنانية تكريس نفسها بوصفها المرجعية الوحيدة لهذه الترتيبات. لبنان اليوم امام خيارين: التفاهم مع ايران حول النقاط المشتركة التي تتقاطع المصالح عليها، او الانفصال الكلّي بما يهدد الواقع اللبناني، خصوصاً بعد تقبّل الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ نفسه للتقارب مع ايران.