أقامت هيئة غلبون في التيار الوطني الحر ندوة بعنوان “الوجود المسيحي في ​لبنان​”، شارك فيها كل من ال​بروفسور الأب باسم الراعي​ والمستشار السياسي لرئيس التيار الوطني الحر النائب ​جبران باسيل​ الأستاذ أنطوان قسطنطين، وذلك بحضور المدير العام السابق لمياه بيروت وجبل لبنان المهندس جان جبران، ونائب رئيس التيار الدكتور ناجي حايك، ومنسق هيئة قضاء جبيل المختار جورج طنوس، ورئيس بلدية غلبون المهندس إيلي جبرايل، وكاهن رعية غلبون الأب إيلي لحود، ورئيس بلدية بجة السيد رستم صعيبي، إلى جانب عدد من الفعاليات السياسية والاجتماعية.

وفي كلمته لفت قسطنطين الى ان الحقائق التي يغفلها كثيرون اليوم أنّ لبنان الكبير حفظ الوجود السياسي لجميع مكوناته، فمن دون لبنان الكبير، لما امتلك المسيحيون الدور السياسي الذي عرفوه طوال القرن الماضي، وربما كان أصابهم ما أصاب مسيحيي سوريا والعراق وفلسطين من تراجع في الوجود كما في الحضور السياسي. ومن دون لبنان الكبير، لما امتلك الشيعة لا الموقع ولا الدور. فجبل عامل كان جزءاً من ولاية عكا العثمانية، ولو لم ينضم إلى لبنان الكبير لوجد قسم كبير من أبنائه أنفسهم ضمن الواقع الذي يعيشه اليوم عرب الـ48 داخل إسرائيل. كذلك هو الأمر بالنسبة إلى شيعة البقاع وسنّة البقاع وطرابلس وعكار وبيروت وصيدا الذين ما كانوا ليشكلوا ثقلاً سياسياً قائماً بذاته، بل كان مصيرهم أن يكونوا جزءًا من محافظات حمص ودمشق وريفها. أما الدروز، المؤسسون لإمارة لبنان فلولا لبنان الكبير لبقوا أقلية موزعة بين أكثر من دولة، فيما منحهم لبنان الكبير إطاراً سياسياً وشراكة وطنية ودوراً فاعلاً في صناعة القرار.

وقال قسطنطين: "بهذا المعنى العميق، لم يكن لبنان الكبير مكسباً لطائفة دون أخرى، بل كان الضمانة التاريخية لوجود الجميع ودورهم . وإذا كان لبنان الكبير قد حفظ لمواطنيه مكانتهم خلال المئة سنة الماضية، فإن مسؤولية الجميع اليوم أن يحافظوا على لبنان الكبير وأن يطوّروا دولته، لأن سقوطه لا يهدد جماعة بعينها، بل يهدد الجميع من دون استثناء".

واضاف: "نحن في لبنان، اعتدنا التبسيط في تفسير أزماتنا ، فاتهمنا التنوع الطائفي بأنه سبب فشل الدولة.

تجاهلنا الأسباب العميقة للفشل والتي رافقت ولادة لبنان الكبير. أوّلها واخطرها الكيان الإسرائيلي الذي تم فرضه بالقوة فوق ارض فلسطين التي هُجّر قسم من أهلها إلى دولتنا الفتيّة من دون ان تكون لنا قدرة الرفض. هذا التطور الخطير لا تزال تردداته تحكم ‏مصير دولنا وشعوبنا. لكنّ بعض اسباب الفشل كان من صنعنا وبإرادتنا اذ تمّ استغلال الطائفية لكسب النفوذ في النظام لصالح اللاعبين السياسيين ومنظومة مصالحهم. هكذا وعلى رغم انضمامهم الى دولة واحدة، بقي اللبنانيون يتعاطون مع الدولة بذهنية المستأجر ، فلا لبنان الصغير أدرك معنى توسّعِه ولا الأقضية الأربعة فهمت معنى انضمامها.

ولفت الى ننا تجاهلنا سوء ادارة التنوع وغياب العدالة الاقتصادية والضريبية والاجتماعية والتنموية، وحمّلنا التنوع الطائفي كلّ أخطائنا لنهرب من مواجهة الحقيقة التي كشفها مسلسل الفشل السياسي والاقتصادي والإداري منذ الاستقلال وفضحها الانهيار المالي الكبير الذي حصل عام 2019. وكشف هذا الانهيار أن المشكلة ليست في التنوع الطائفي للبنانيين بل في فساد الدولة وضعف الانتماء الوطني لمكوناتها. واكد بانه لا نجاح الدول يتوقف على شرط تجانس شعبها، ولا فشلها يكون بسبب تنوعه، النجاح أو الفشل تحددهما قدرة الدولة على إدارة هذا التنوع أو عجزها عن ذلك. لقد امتلك لبنان بعد الاستقلال عناصر نجاح حقيقية: دستور متقدم مدنيًّا ، وحريات واسعة، ومؤسسات تعليمية رائدة، واقتصاد منفتح، وانتشار اغترابي واسع وفاعل. باختصار امتلك دورًا.

واشار الى انه بعد اتفاق الطائف تعاملت الطبقة السياسية مع الدولة بأسوأ مما كانت عليه قبل العام ١٩٧٥ فحولتها الى غنيمة حرب ، وراحت بسلطتها ومعارضتها ، تراكم الجرائم بحق الدستور والمال العام وحقوق الناس وتتقاسم النفوذ وتؤجّر السيادة وتمنع الاصلاح وتتذرع بتنوع الطوائف لتعطيل المحاسبة. صار الفساد يتغطّى بالانتماء، والعدالة تُستبدل بالولاء .

واختُتمت الندوة بحوار تفاعلي تخللته أسئلة ومداخلات من الحضور، قبل أن يجتمع المشاركون حول نخب المناسبة، ويتبادلوا التهاني بمناسبة عيد الأب.