يعيش لبنان مرحلة يصعب تصنيفها ضمن المفاهيم المعروفة للحرب أو السلم، فهو ليس دولة مستقرة قادرة على إدارة أمنها وسياساتها الخارجية بصورة مستقلة، لكنه أيضاً ليس ساحة حرب مفتوحة كما ظهر ويظهر منذ سنوات. الواقع اللبناني أقرب إلى مساحة تتقاطع فيها إرادات خارجية متعددة، حيث يتشكل القرار الأمني من تفاعل ثلاثة عناصر رئيسية: "القبة" الأميركية التي ترسم حدود الحركة السياسية، والسلاح الإسرائيلي الذي يؤثر على الوقائع الميدانية، والردع الإيراني الذي يمنع الحسم ويعيد إنتاج التوازن.
في الفترة الأخيرة، تبدل الدور الأميركي من موقع الوسيط إلى موقع المنظم للإيقاع الإقليمي، ولم تعد واشنطن تكتفي بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل أصبحت الجهة التي تحدد سقف التصعيد وحدود التسويات الممكنة. ومن هذا المنطلق، لم يعد الملف اللبناني مطروحاً كقضية مستقلة، بل كجزء من شبكة تفاهمات أوسع تشمل إيران وإسرائيل وترتبط مباشرة بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.
مع ذلك، يبدو ان الدور الأميركي ينحصر في كيفية إدارة التوتر لا إنهائه. الولايات المتحدة قادرة على فرض مسارات تفاوضية واحتواء الانفجارات الكبرى، لكنها لا تملك وحدها القدرة على إنتاج استقرار دائم. هنا، يبرز الدور الإسرائيلي بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في تحويل التوتر السياسي إلى حدث ميداني. فإسرائيل لا تنتظر تبدل المعادلات لتتحرك، بل تسعى باستمرار إلى إعادة صياغتها عبر الضغط العسكري واختبار حدود الردع القائم، لكنها تدرك ان الحبل الأميركي قد يشتد على خناق مسؤوليها السياسيين.
في الجهة المقابلة، يشكل النفوذ الإيراني عنصر التوازن الأساسي في هذه المعادلة. صحيح ان طهران لا تدير لبنان مباشرة، لكنها تمتلك من خلال حزب الله (وحاليا دعم كبير من رئيس مجلس النواب نبيه بري) قدرة كافية لمنع أي محاولة لفرض وقائع استراتيجية جديدة بالقوة. أهمية هذا الردع لا تكمن في قدرته على تحقيق انتصار حاسم، بل في منع الآخرين من تحقيقه.
ضمن هذا المشهد تبدو الدولة اللبنانية الحلقة الأضعف. فهي الجهة التي تمنح الشرعية لأي اتفاق أو تفاهم، لكنها ليست الطرف الذي ينتج موازين القوى. من هنا، تعتبر المؤسسات الرسمية الإطار الضروري لإضفاء الصفة القانونية على القرارات، فيما تتشكل الشروط الفعلية خارجها. وهنا تكمن خصوصية الوضع اللبناني: لا أحد يمتلك القدرة على الحسم، لكن الجميع يمتلك القدرة على التعطيل.
ما يميز المرحلة الحالية هو أن لبنان لم يعد ساحة تنافس بين مشروعين متقابلين بقدر ما أصبح نقطة تقاطع بين مصالح متعارضة تحتاج جميعها إلى تجنب الانفجار الشامل. لذلك فإن توصيف لبنان بأنه يسير في طريق أميركي أو إيراني يبدو ناقصاً، فالبلد لا يسير ضمن مشروع واضح بقدر ما يعيش داخل حدود فرضتها موازين القوى الإقليمية، وهو ليس جزءاً كاملاً من أي محور، ولا يملك في الوقت نفسه القدرة على الخروج من تأثير المحاور المتنافسة. وبينما تستمر المفاوضات المباشرة وغير المباشرة حول مستقبل المنطقة، يبقى لبنان أحد ملفاتها الدائمة: لا أولوية مستقلة بحد ذاته، ولا تفصيلاً يمكن تجاوزه.
ذاق اللبنانيون الامرّين على مرّ السنوات، وباتوا اكثر من مشككين في قدرة ما يصاغ من حولهم من تسويات تقدّم اليهم على انه مشروع الخلاص النهائي، وما تلبث ان تظهر على حقيقتها: مجرد تقاطع مصالح مرحلي سرعان ما ينهار بعد سنوات قليلة لتعود دوامة الحروب والمواجهات بصيغ وتعريفات فضفاضة، ويدفعون مجدداً من حياتهم وارزاقهم ثمناً باهظاً يعيدهم الى دوامة المآسي. وعليه، سيكون على اللبنانيين التعامل مع الحلول المرحلية، كونها افضل من الواقع الحالي، ويحملون أملهم معهم لمسافة زمنية من عمرهم يتمنى الجميع ان تكون طويلة.