على وقع الجولة الجديدة من المفاوضات اللّبنانيّة- الإسرائيليّة الّتي بدأت أمس في واشنطن، كشف دبلوماسي مطّلع لصحيفة "الجمهوريّة"، أنّ "الجولة الحالية من المحادثات تشهد تقدّماً حذراً، وسط مؤشرات إلى وجود استعدادات متبادلة للانتقال من مرحلة تثبيت التفاهمات الأمنية إلى البحث في آليات تنفيذية أكثر تفصيلاً على الأرض".
وأوضح أنّ "الجانب الإسرائيلي طرح خلال المداولات أفكاراً تتصل بإعادة انتشار قواته في بعض النقاط الحدودية"، مشيراً إلى أنّ "المؤسسة العسكرية الإسرائيلية اقترحت الانسحاب من مواقع محدّدة في محيط كفرتبنيت والنبطية، في إطار ترتيبات يجري بحثها مع الوسطاء الأميركيّين".
ولفت الدبلوماسي إلى أنّ "العقدة الأساسية في المفاوضات الحالية تتمحور حول ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية" (Pilot Zones)، إذ لا يزال الخلاف قائماً حول النقاط التي ستبدأ منها هذه الآلية، والجهة التي ستتولّى مراقبة التنفيذ والإشراف على الالتزامات الميدانية الناتجة منها".
وبيّن أنّ "الخلاف لا يقتصر على الجوانب التقنية، بل يمتد إلى الرؤية السياسية النهائية للمسار التفاوضي. فبيروت تنظر إلى المناطق التجريبية باعتبارها مدخلاً عملياً لتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز حضور الدولة اللبنانية جنوباً، فيما تتمسك إسرائيل بمقاربة مختلفة، تعتبر أنّ الأولوية يجب أن تبقى لمنع أي إعادة تموضع عسكري لـ"حزب الله" بالقرب من الحدود".
وفي تقييمه لأجواء الاجتماعات، أكّد الدبلوماسي أنّ "الجزء الأول من اللقاءات انتهى في أجواء إيجابية، وأنّ الوفدَين أظهرا استعداداً لمتابعة النقاشات ضمن جدول عمل يمتد على 3 أيام".
وأفادت الصحيفة بأنّه "بحسب المعلومات، خُصِّص اليوم الأول للبحث في المسار السياسي ومناقشة المبادئ العامة والتصوُّرات المستقبلية، على أن تنتقل المحادثات في اليوم التالي إلى الملفات العسكرية والأمنية والتفاصيل التنفيذية، قبل أن تعود في اليوم الثالث إلى الشق السياسي بهدف بلورة تفاهمات أوسع".
كما ركّز الدبلوماسي على أنّ "الجهود الأميركية تتركّز حالياً على التوصّل إلى "بيان نيات" في ختام الجولة، يحدِّد الإطار العام للمرحلة المقبلة، ويضع الأسس التي يمكن البناء عليها في الجولات اللاحقة". إلى ذلك، أشار إلى أنّ "نتائج الجولة الأميركية- الإيرانية الأخيرة في سويسرا ما زالت تلقي بظلالها على مجمل ملفات المنطقة، بما فيها الملف اللبناني"، مؤكّدًا أنّ "انتهاء تلك الجولة لا يعني بالضرورة تجاوز العقبات الأساسية بين واشنطن وطهران".
وذكر أنّ "الوسطاء، ولا سيما قطر وباكستان، يعملون على إدارة هذه الملفات الحساسة من خلال آليات تنسيق ومتابعة مستمرة، بهدف منع أي انتكاسة قد تصيب التفاهمات التي تمّ التوصّل إليها بصورة أولية، خصوصاً أنّ أي تعثر في المسار الأميركي- الإيراني ستكون له انعكاسات مباشرة على الملفات الإقليمية الأخرى، وفي مقدّمها الوضع في لبنان ومسار المفاوضات الجارية بين بيروت وتل أبيب".
في السياق، كشفت مصادر في قصر بعبدا، أنّ "توجيهات واضحة وحاسمة أُعطيت للسفير سيمون كرم وللفريق اللبناني المفاوض، ترتكز على ضرورة التوصّل إلى ترتيبات عملية وقابلة للتطبيق ميدانياً على المستويَين العسكري والأمني"، موضحةً أنّ "لبنان لم يتبلّغ حتى الآن أي آلية تنفيذية نهائية لتطبيق وقف إطلاق النار، ما يجعل المفاوضات الحالية فرصة أساسية لوضع إطار عملي، يضمن الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض".
بري مرتاح... ووقف النار دخل مرحلة التنفيذ
من جهتها، لفتت صحيفة "الديار" إلى أنّ "في كل المفاوضات المصيرية والمفصلية التي لها علاقة بلبنان، كان يبرز اسم رئيس مجلس النواب نبيه بري، سواء في أزماته الداخلية، أو الحروب الإسرائيلية عليه، فهو حاضر منذ مؤتمر لوزان وجنيف 1983-1984، إلى "الاتفاق الثلاثي" الذي وقعه في دمشق مع رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" آنذاك وليد جنبلاط، ورئيس حزب "القوات اللبنانية" آنذاك إيلي حبيقة، وطاولات الحوار الداخلية، وصولا للقرار 1701 الذي صدر في أثناء الحرب الاسرائيلية على لبنان صيف 2006، ثم ترسيم الحدود البحرية وحصول لبنان على حقه في الحقول النفطية في العام 2020، ثم اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024؛ بعد حرب الإسناد التي خاضها حزب الله دعما لحركة حماس في غزة".
وأفادت بأنّه "من هنا، يبدي بري ارتياحه إلى التفاهم الأميركي- الإيراني، الذي تضمن بندا بوقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، والذي تم التوصل اليه عبر الوسيطين الباكستاني والقطري، وحظي بتأيد دولي وإقليمي وعربي، ووضع رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في الزاوية؛ فاضطر الى الرضوخ لوقف عملياته العسكرية".
وأشارت الصحيفة إلى أنّ "بري يؤكد أمام زواره أنه مرتاح لبدء تنفيذ وقف إطلاق النار، وهو لو أراد أن يكتب ما ورد في ورقة التفاهم الأميركي- الإيراني لما وصل إلى ما تضمنته من شدة وقسوة تجاه وقف الحرب على لبنان، والذي سيتبعه انسحاب اسرائيلي على مراحل، وهو ورد في اتفاق 27 تشرين الثاني، لكن إسرائيل لم تلتزم به، وأميركا لم تكن جدية في تنفيذه يقول بري، الذي كان على تشاور مع القيادة الإيرانية حول أجواء المفاوضات الأميركية- الإيرانية، واتصل به رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد قاليباف؛ واطلع على النص المتعلق بلبنان وأخذ موافقته عليه".
وذكرت أنّ "رئيس مجلس النواب يسعى أن يكون الدور الأميركي أفضل في تطبيق ما ورد في التفاهم بما يخص لبنان، ولم يعد بإمكان واشنطن أن تفصل ما جاء في التفاهم عن مفاوضات واشنطن، لا بل الاستناد إليه، ووضع آلية لانسحاب إسرائيلي وعودة الأهالي وبدء الإعمار"، مركّزةً على أنّ "فما يهم بري كان وقف الحرب على لبنان، وهو توقف بإيجابية عند ما صدر عن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ترحيبهما بوقف النار".
كيف تنظر بكركي الى التفاهم الأميركي - الإيراني؟
في سياق متصل، وعلى خط الكنيسة ومدى تفاؤلها بالتفاهم الأميركي- الإيراني، الذي لم تغب عنه الازمة اللبنانية، أشارت مصادر بكركي لصحيفة "الديار"، إلى "انها تترقّب المنتظر ونتائج هذا الاتفاق بحذر، وفي الوقت عينه تعتبره فرصة لإرساء الاستقرار في لبنان، في حال سار على الخطى الثابتة والفعلية"، مؤكدة "دعمها للسلام وترحيبها بأي تسوية أو تفاهم دولي يوقف الحرب، ويضع حدّاً لسقوط الضحايا والجرحى ودمار لبنان".
وأعربت عن أملها في أن "يؤدي هذا الاتفاق الى استعادة الدولة اللبنانية لقرارها الحر وسيادتها الكاملة"، مشددة على أن "لا يكون أي تفاهم إقليمي على حساب الداخل اللبناني، وأن يبدأ الحل المستدام ببسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ بند حصرية السلاح في يدها، وعدم استخدام لبنان ساحة للصراعات الاقليمية".
وأكدت مصادر بكركي أنّ "البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي يرفض أي تفاهم أميركي- إيراني لا يحترم سيادة لبنان، ويعتبر أن أي تقارب دولي أو إقليمي يجب أن يحترم الدستور اللبناني وقرارات الشرعية الدولية، ويرفض اي دور يكرّس نفوذ طرف عسكري غير شرعي، كما يرفض أي استباحة للسيادة عبر فرض مشاريع سياسية، أو التدخل في القرار الداخلي لمصلحة أي محور إقليمي"، مبيّنةً أنّ "الراعي يحذّر من أي تفاهمات خارجية قد تستخدم لبنان كورقة تفاوض، مع تأكيده المطلق لمشروع الحياد وإبعاده عن سياسات المحاور ليتمكن من استعادة عافيته".
ومن ناحية موقف الكنيسة مما يقوم به لبنان الرسمي في إطار التفاوض، أبدت المصادر "تأييدها للمساعي الرسمية التي تقوم بها السلطة اللبنانية، للوصول الى تسوية شاملة برعاية عربية ودولية"، معتبرة أن "السلام والاستقرار هما الشرط الأساسي لإنقاذ البلاد". وشددت على "أهمية أن تكون المفاوضات محصورة بيد الدولة، ورفض الاستفراد والمحاور ومنطق التسويات على حساب لبنان، الذي يجب ان يبقى رسالة للتعدّدية والعيش المشترك بين جميع أبنائه، الذين سئموا الحروب التي لم تؤد إلا الى سقوط الابرياء وخراب لبنان".
ولفتت إلى أنّ "الامل يبقى في تحقيق السلام العادل، اي ألا يتضمّن تنازلات تمسّ بسيادة لبنان، وهذا هو المطلوب اولاً واخيراً، مع التأكيد على دور الدولة اللبنانية الفاعلة".