ثمة لحظات في تاريخ الأوطان يتعين فيها على الشعوب أن تنظر إلى نفسها في المرآة وتتساءل: من الذي يتخذ القرارات نيابةً عنا؟ هل يُكتب مستقبل لبنان في بيروت، أم في طهران وواشنطن ودمشق والقدس؟
إن كلَّ من يحب لبنان، بصرف النظر عن طائفته أو انتمائه السياسي، ينبغي أن يتوحد حول مبدأ أساسي واحد: لا إيران، ولا الولايات المتحدة، ولا الرئيس ترامب، ولا أي زعيم أجنبي يحق له تحديد مستقبل بلدنا. فلبنان دولة تملك مؤسساتها: حكومة ورئيساً للجمهورية وبرلماناً. وإذا لم تكن هذه المؤسسات هي صاحبة القرار في مسائل الحرب والسلم والأمن والعلاقات الخارجية، فأية سيادة تبقّت لنا؟
فلا يجوز أن تُعقد الاتفاقيات الإقليمية وتُرتَّب الصفقات الأمنية فوق رأس لبنان، وكأن البلاد مجرد مساحة فارغة على خريطة المصالح المتنافسة. وما يزيد الأمر سوءاً أن القوى الأجنبية تتعامل مع لبنان كساحة معركة جيوسياسية، في حين تتصاعد الضغوط من سوريا شمالاً، وتستمر التوترات مع الاحتلال جنوباً، فيما يغدو المواطنون اللبنانيون رهائن لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وينبغي القول بصراحة: لا تستطيع أي دولة ذات سيادة أن تقبل وضعاً تمتلك فيه قوات مسلحة موازية سلطةَ القرار في الحرب والسلم. ومهما كانت المبررات التاريخية أو الأمنية أو الأيديولوجية، فالسيادة لا تتجزأ، ولا تؤدي الدولة وظيفتها حين يتشارك في تقرير مصيرها أكثر من مرجعية واحدة.
دفع لبنان ثمناً باهظاً ليبقى أسيراً لصراعات الآخرين. فقد نشأ جيل كامل في خضم الحروب والانهيار الاقتصادي والهجرة، محاصراً بشعور عميق بانعدام اليقين إزاء المستقبل. ونحن نستحق ما هو مختلف: دولة تُحكَم من الداخل لا بإملاءات من الخارج، دولة تدير علاقاتها مع جيرانها وفق المصلحة اللبنانية، لا وفق سياسات المحاور.
هذه ليست دعوة للخضوع للغرب، ولا إعلان حرب على أي طرف. بل هي دعوة بسيطة وضرورية في آنٍ واحد: إعادة لبنان إلى اللبنانيين.
إن التغيير لن يأتي من الخارج، بل سيبدأ حين يرفع الشعب صوتاً واضحاً وموحداً رافضاً الدولة الضعيفة المشرذمة التي تمزقها الولاءات الخارجية المتنافسة. فلا مكان في هذا الوطن لأكثر من راية واحدة وسلطة سيادية واحدة، ولا مستقبل إلا المستقبل الذي يقرره اللبنانيون لأنفسهم.



















































