لا شك أن لبنان دخل مرحلة سياسية جديدة بعد إعلان النوايا الموقع في واشنطن، ولكن يجب انتظار معرفة ثمن دخوله، ولصالح من صيغت قواعد هذه المرحلة، ولو ان المكتوب يقرأ من عنوانه عادة، وهذا تفنيد لبعض ما ورد فيه.
أخطر ما في الحدث هو اعتراف لبنان الرسمي بإسرائيل وسيادتها على ارضها، وهذا ما يعني اسقاط مبدأ احتلال إسرائيل لفلسطين، ولذلك تداعيات سيكتشف لبنان تبعاتها مع الوقت، علما ان هناك نقطة اساسية تغيب عن بال كثيرين وهي ان الاتفاق لا يصبح نافذا بشكل كامل سوى بعد مروره على مجلس النواب ونيله اغلبية الثلثين ولهذا بحث منفصل.
تكشف القراءة المتأنية لبنود الاتفاق أنه لا يقيم توازناً بين التزامات الفريقين، بل يبني معادلة مختلفة تماماً، يكون فيها الالتزام اللبناني واضحاً ومحدداً وقابلاً للقياس، فيما يبقى الالتزام الإسرائيلي فضفاضاً، مشروطاً، ومفتوحاً على التأجيل والتفسير، علما ان إسرائيل لا تطبق النصوص الواضحة فكيف اذا كانت مبهمة تجاه التزاماتها.
المفارقة الأساس أن النص يتعامل مع نزع السلاح بوصفه التزاماً لبنانياً صارماً لا يحتمل التأويل، بينما يحول الانسحاب الإسرائيلي إلى نتيجة مرتبطة بمدى اقتناع إسرائيل والجهات المشرفة بأن هذا الالتزام قد تحقق، ولنا في مرحلة الاشهر الماضية امثلة على ذلك عندما لم تعترف إسرائيل بعمل الجيش جنوب الليطاني لرغبتها باستمرار الاحتلال وتوسيعه ومنع الناس من العودة.
لم يطرح ملف الاقضية كمناطق تجريبية واستغلت إسرائيل الضغط الاميركي على لبنان للموافقة على مناطق شمال نهر الليطاني ولم تقدم إسرائيل اي تنازل كما قال رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو نفسه، ولا يقل خطورة عن ذلك أن الاتفاق يخلو من أي جدول زمني ملزم. فلا مهل محددة، ولا مراحل واضحة، ولا آلية تلزم إسرائيل بالانسحاب ضمن سقف زمني معلوم، ولا حتى إجراءات في حال امتنعت عن التنفيذ.
الأصعب أن النص يتبنى، في مقاربته الأمنية، الرواية الإسرائيلية بصورة كاملة، فهو يربط استمرار الإجراءات العسكرية الإسرائيلية بوجود "تهديدات صادرة عن الجماعات المسلحة"، وتضع لبنان بموقع المعتدي على إسرائيل وكأن لبنان هو من جاء للمنطقة منذ عقود وخرّبها واحتلها وحرقها وقتل اهلها وابادهم، وعبث بالحدود، وبهذا المعنى، يغيب أصل المشكلة، لتحل مكانه نتيجة واحدة هي السلاح، وكأن الصراع بدأ بالمقاومة، وهذه سردية إسرائيل واليمين اللبناني ايضا قد اصبحت ضمن اتفاق رسمي.
لا يقدم الجانب الإسرائيلي في الاتفاق سوى إعلان نوايا، ويربط وجوده العسكري بالتهديد، بما يعيد حرية الحركة عندما يقول ان عملياته العسكرية مرتبطة بالتهديدات والمخاطر والنوايا العدوانية لحزب الله، وهذا ما يعطيه موافقة رسمية لبنانية على حرية الحركة التي كان يبحث عن غطاء شرعي لها، وبالتالي سيتذرع بذلك عند كل عملية وعدوان.
أما الحديث عن "مناطق تجريبية"، فهذه الصياغة تعني عملياً أن السيادة اللبنانية ستخضع للاختبار منطقة بعد أخرى وسيكون الجيش امام امتحان تضع علاماته اميركا وإسرائيل، فهما يحددان نتيجة عمل الجيش من خلال الية تنسيق عسكرية ثلاثية، اميركية إسرائيلية لبنانية، فإذا اعتبرت الآلية أن منطقة معينة استوفت الشروط، انسحبت إسرائيل منها، وإذا رأت العكس بقي الاحتلال قائماً فيها، وسيكون الطرف اللبناني هو الطرف الاضعف فيها، مقيدا مسيرا محكوما.
وانطلاقا من هذه المناطق التجريبية، يربط الاتفاق بصورة مباشرة عودة المدنيين إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار باستكمال مسار نزع السلاح، وبالتالي رضي لبنان بربط عودة الناس والاعمار بالسلاح اي بقرار إسرائيل اعتبار ما يقوم به الجيش مفيدا او غير مفيد.
أما الدور الأميركي، فيبدو الأكثر حضوراً في بنية الاتفاق، فكنا كجزء من صراع نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية، فواشنطن تحولت إلى جهة متابعة ومتحققة ومشرفة على التنفيذ، من دون أن يقابل ذلك أي نظام ضمانات يفرض على إسرائيل التزامات مماثلة أو يحد من قدرتها على تعطيل التنفيذ، لهذا، فإن خطورة ما جرى تكمن في الفلسفة التي تحكم الاتفاق، فالاحتلال لم يعد المشكلة الأولى التي يجب إنهاؤها، بل أصبح ورقة ضغط بشكل رسمي لضمان تنفيذ التزامات لبنان.



















































