رعى بطريرك الرّوم الكاثوليك يوسف العبسي وحَضَر قدّاسًا في بيت القدّيسة حنة في الربوة، بمشاركة أبناء رعيّتَي سيدة الانتقال في برعشيت وصفد البطيخ، للصّلاة من أجل السّلام في لبنان، وعلى نيّة العودة الآمنة إلى قرى الجنوب.
وأشار راعي أبرشيّة صور وتوابعها للرّوم الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر، الّذي ترأس القدّاس، إلى أنّ "هناك لحظات لا تحتاج فيها الكنيسة إلى أن تشرح رسالتها كثيرًا، لأنّ الرّسالة تصبح واضحةً في باب يفتح، وسقف يُعطى، ويد تمتد، وصلاة ترافق الخائفين. وهذا ما عشناه في هذه الدّار البطريركيّة طوال أشهر الحرب".
وأوضح أنّه "حين ضاقت الطرق، واتسعت المخاوف، واضطرّت عائلات من صفد البطيخ وبرعشيت وصور إلى ترك بيوتها، لم تجد أمامها مؤسّسة تستقبلها فحسب، بل بيت أب يحتضنها، وكنيسة تقول لأبنائها بهدوء: مكانكم محفوظ في قلبي"، لافتًا إلى أنّ "في إنجيل اليوم، يمرّ يسوع، يرى متى، ويناديه: "اتبعني". ثلاث حركات صغيرة، لكنّها تختصر طريقة الله مع الإنسان: يمرّ بقربه، يراه، ثمّ يدعوه. فالرّبّ لا ينظر إلى الإنسان من بعيد، ولا يكتفي بأن يعرف ألمه، بل يقترب منه، ويراه في مكانه، ثمّ يفتح أمامه طريقًا جديدًا".
ولفت إسكندر إلى "أنّنا من هنا نفهم معنى حضور الكنيسة في أزمنة الشدّة. فالكنيسة ليست بديلًا عن البيت، لكنّها تذكّر الإنسان بأنّ له بيتًا أعمق. وليست قادرة أن تلغي كلّ خوف، لكنّها تستطيع أن تمنع الخوف من أن يتحوّل إلى وحدة. وليست تملك جوابًا لكلّ سؤال، لكنّها تملك أن تبقى إلى جانب أبنائها، بالصلاة، والكلمة، واللّقمة، والزّيارة، والاتصال، والحضور. هكذا كانت الكنيسة معكم في هذه المرحلة".
وذكر أنّ "في الربوة، فتحت البطريركيّة أبوابها لأبناء صفد البطيخ وبرعشيت والأبرشيّة. وفي صور، بقيت المطرانيّة حاضرةً وسط القلق والتهديدات، لا بروح التحدّي، بل بروح الأمانة للمسيح وللإنسان. ومع العائلات الّتي توزّعت في مناطق مختلفة، بقي التواصل قائمًا، والسّؤال مستمرًّا، وسعينا على قدر إمكاناتنا إلى أن تصل المساعدة إلى من يحتاج، وأن تسبقها كلمة الرّجاء والطمأنينة".
وأكّد أنّ "هذه الأمور لا تُقال من باب التباهي، ولا لتسجيل فضل على أحد. فالكنيسة لا تمنّ على أبنائها عندما تخدمهم. والأمّ لا تمنّ على أولادها عندما تفتح لهم بيتها. والرّاعي لا يمنّ على رعيّته عندما يبقى إلى جانبها. إنّما نقول ذلك لنشهد لحقيقة بسيطة: الكنيسة حاضرة، وستبقى حاضرة، لأنّها لا تستطيع أن تكون أمينةً للمسيح إلّا إذا بقيت قريبة من الإنسان".
كما ركّز اسكندر على أنّ "الذّبيحة الّتي نرفعها اليوم على هذا المذبح، لا تنفصل عن الرّحمة الّتي تُعاش خارج المذبح. والصلاة لا تكتمل إلّا عندما تتحوّل إلى قرب من المتعب، وحماية لكرامة المهجّر، ومرافقة لمَن ينتظر العودة"، مضيفًا: "نشكر الله على وقف إطلاق النّظر، ونصلّي أن يتحوّل إلى سلام ثابت وحقيقي. لكنّنا نعرف أنّ السّلام ليس مجرّد صمت السّلاح، بل هو أن يعود الإنسان إلى بيته مطمئنًا، وأن ينام الطّفل بلا خوف، وأن تفتح القرية أبوابها لأهلها، وأن تعود الأرض مكان حياة لا مصدر قلق".
وأشار إلى أنّ "لهذا لا تزال صلاتنا قائمة: من أجل الّذين عادوا، ومن أجل الّذين ينتظرون العودة، ومن أجل القرى الّتي تحتاج إلى مزيد من الطمأنينة. ومن أجل الجنوب كلّه، كي ينتقل من زمن الخوف إلى زمن السّلام"، منوّهًا إلى أنّ "في صور، كان صمود الكنيسة صمود خدمة لا صمود تحدّ. بقينا لأنّ الحضور أحيانًا يكون أبلغ من الكلام. بقينا لكي تبقى الصلاة مرفوعة، ولكي يشعر من بَقي أنّ الكنيسة إلى جانبه، ولكي يعرف مَن غادر أنّ بابها سيبقى مفتوحًا يوم يعود. هذه الكلمة هي قلب الرّسالة".
وشدّد على "أنّنا مررنا بالخوف، لكنّنا لسنا أبناء الخوف. وتوزّعنا في أماكن كثيرة، لكنّنا لسنا أبناء التشتّت. وتعبنا من الانتظار، لكنّنا لسنا أبناء اليأس. نحن أبناء الله، والرّوح فينا يصرخ: "أبا، أيها الآب". وتوجّه إلى أبناء صفد البطيخ وبرعشيت، قائلًا: "أنتم اليوم حول هذا المذبح لا تحملون وجعًا فقط، بل تحملون شهادة. شهادة أنّ البيت قد يُترك قسرًا، لكنّ الجذور لا تُقتلع من القلب، وأنّ القرية قد تغيب عن العين، لكنّها تبقى حاضرةً في الصلاة، وأنّ الكنيسة عندما تكون أمًّا، تعرف كيف تجمع أبناءها من الطّرقات إلى البيت، ومن الخوف إلى الرّجاء".
وختم اسكندر: "فلنضع اليوم على هذا المذبح بيوتكم، وذكرياتكم، وقلقكم، وشوقكم إلى العودة. افتح أمام أبنائك طريق العودة الآمنة والكريمة. واحفظ لبنان والجنوب، وكلّ إنسان ينتظر يوم الطمأنينة".





















































