تقف منطقة الشرق الأوسط في تموز 2026 أمام مشهد دبلوماسي يتسم بالازدواجية الاستراتيجية الفجّة. ففي الوقت الذي تسوق فيه الإدارة الأميركية لنفسها كصانعة للسلام، تكشف القراءة المتأنّية لما بين سطور الوثيقتين اللتين رعتهما واشنطن -"مذكرة إسلام آباد" مع طهران، و"الإطار الثلاثي" مع بيروت وتل أبيب- عن هندسة سياسية وأمنية مليئة بالألغام. فبدلًا من إرساء استقرار حقيقي، صاغت الدبلوماسية الأميركية نصوصًا مطاطة وتناقضات جوهرية، تؤسس لصدامات مستقبلية محتومة وتضع المنطقة على فوهة بركان جديد.
التناقض الأميركي القاتل
يبرز الصدام الأول والأخطر في التناقض الفاضح للضمانات الأميركية الواردة في متون الوثيقتين. ففي الفقرة الأولى من "مذكرة إسلام آباد"، تعهدت أميركا لإيران بوقف دائم للعمليات العسكرية، بما في ذلك الساحة اللبنانية، مقترنًا بالتزام صارم في (الفقرة التاسعة) بـ"الحفاظ على ستاتيكو الوضع الراهن" حتى إبرام اتفاق نهائي. بالنسبة لطهران، هذا النص الدبلوماسي يعني تجميدًا للقتال مع بقاء البنية العسكرية لحزب الله مصانة كجزء عضوي من معادلة الردع الإقليمي.
في المقابل، ينسف "الإطار الثلاثي" هذا التعهد من جذوره؛ إذ تلتزم واشنطن أمام تل أبيب في الفقرة الثانية بأن أي انسحاب إسرائيلي من لبنان مشروط بـ"التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية". وفي قراءة استراتيجية، يجعل هذا التناقض واشنطن كمن يبيع بوليصة تأمين واحدة لسيارتين تتجهان عمدًا للاصطدام ببعضهما؛ فإما أن تخون الإدارة الأميركية تعهدها في إسلام آباد، أو تتنصل من ضماناتها المكتوبة لتل أبيب وبيروت.
فخ الانسحاب المشروط
يكشف دمج الفقرة الثالثة مع الخطوة الأولى والثانية من الملحق الأمني في الإطار الثلاثي، عن خلل بنيوي ومنطق هش في آليات التنفيذ. إذ لا ينص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي فوري تتلوه سيطرة شرعية، بل يجعل هذا الانسحاب متدرجًا ومؤجلًا حتى يكتمل نزع السلاح في ما سُمي بـ"المناطق التجريبية".
أمنيًّا، هذا الفخ اللفظي يمنح إسرائيل حق النقض (الفيتو) الميداني؛ فبمجرد ادعائها عدم اكتمال "التطهير" للمنطقة الذي نص عليه الملحق الأمني، تكتسب قواتها شرعية دولية وموافقة لبنانية رسمية للبقاء كقوة احتلال، محولة الأراضي اللبنانية إلى منطقة عازلة تخضع دائمًا للتقييم الأمني الإسرائيلي.
شرعنة الحرب الأهليّة
أما الزاوية الأكثر خطورة، فتكمن في المهام المستحيلة الموكلة للجيش اللبناني. لأنّ الملحق الأمني يطلب صراحة من الجيش اتخاذ إجراءات قانونية وعملياتية لتدمير البنى التحتية العسكرية، مقترنًا ببرنامج صارم ورد في الفقرة التاسعة.
الاستراتيجية الكامنة هنا تتجاهل أن الجيش يعمل في بيئة سياسية شديدة التعقيد. إن دفع جيش وطني للاصطدام المسلح بشريحة وازنة من شعبه لتجريدها من سلاحها، بغياب الإجماع الداخلي، ليس سوى وصفة دوليّة مكتوبة لإشعال حرب أهلية. فالاتفاق يطلب من الجيش اللبناني، وبأدوات محدودة، إنجاز ما فشلت فيه الآلة العسكرية الإسرائيلية بأسلحتها التدميرية.
وعود بلا رصيد
تعتمد واشنطن على انحياز عاطفي مفرط لترغيب لبنان عبر وعود فضفاضة وردت في الفقرة العاشرة بحشد "مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار". لكن بمقارنة هذا البند مع الفقرة السادسة من مذكرة إسلام آباد التي حددت رقم 300 مليار دولار لإيران، نجد أن التعهدات للبنان تفتقر لأيّ أرقام مُلزمة أو آليات مالية، مما يجعلها أداة ابتزاز سياسي ترتبط بمدى قتال الجيش اللبناني لحزب الله.
أضف إلى ذلك، تتناقض ادعاءات إسرائيل بافتقارها للأطماع الإقليمية الواردة في الفقرة الخامسة، مع منحها، بموجب الفقرة السابعة حق "الدفاع عن النفس". عسكريًّا، هذا البند هو تشريع أميركي مفتوح للضربات الاستباقية واستباحة الأجواء اللبنانية.
مواقف الدول المعنية
أمام هذا التضارب الوثائقي، تتبلور قراءة سياسية واستراتيجية لمواقف الأطراف الفاعلة:
- واشنطن تدير الفوضى: تتعاطى الإدارة الأميركية مع الوثيقتين بمنطق "الغموض البناء" والبراغماتية الانتخابية. هي لا تبحث عن سلام هيكلي، بل تشتري وقتًا مستقطَعًا لتهدئة أسواق الطاقة قبيل انتخاباتها، تاركة للأطراف المحلية مهمة الغرق في تفاصيل النصوص المتناقضة لاحقًا.
- طهران هي المرجعية العليا: تعتبر القيادة الإيرانية "مذكرة إسلام آباد"، وتحديدًا نصها بالحفاظ على "الوضع الراهن"، هي المرجعية العليا والوحيدة. بالتالي، تنظر هي إلى "الإطار الثلاثي" كوثيقة ملغومة تهدف إلى تفكيك حزب الله نِيابةً عن إسرائيل. لذا، ستستخدم نفوذها لعرقلة الملحق الأمني ومنع أي تجريد للسلاح، مستندةً إلى الغطاء الذي انتزعته من واشنطن.
- تل أبيب واحتلالها المشرعن: تتجاهل إسرائيل مذكرة إسلام آباد وتستند كليًّا إلى التعهدات الأميركية في الإطار الثلاثي. هي توظف البنود المتعلقة بنزع السلاح والتحقق كذرائع استراتيجية لعدم الانسحاب، وتستثمر بند "الدفاع عن النفس" لتكريس معادلة تفوقها الجوي والبري، محولة الورقة الدبلوماسية إلى رخصة احتلال مفتوحة.
- بيروت وكيانها الممزق: يجد لبنان نفسه الضحية الأكبر لهذا التناقض. الدولة الرسمية تتمسك بالإطار الثلاثي كـ"حبل نجاة" لوقف نزيف الدمار، رغم قساوة الشروط. بينما ترفض بيئة "المقاومة" الوثيقة وتتمسك بالتفسير الإيراني لمذكرة إسلام آباد الذي يحمي السلاح. هذا الانقسام يجعل تطبيق أي بند أمني على الأرض مشروع تفجير داخلي.
مشهديّة معقّدة
لا يمكن قراءة هذه الدبلوماسية الأميركية إلا بوصفها عملية هندسة للوهم. لقد اشترت واشنطن تهدئة إيرانية موقّتة عبر وعود "الوضع الراهن"، ووزعت في الوقت عينه صكوكًا لتل أبيب لتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة أمنية تُنظّف بالدم اللبناني. إن هذا التقاطع الخادع بين إسلام آباد وواشنطن ليس مشروعًا للسلام، بل هو صياغة متقنة لنقل عبء الصراع من جبهات الحدود إلى صميم الجسد اللبناني، مبقيًا المنطقة بأسرها أسيرة أوهام الورق وحقائق الميدان القاسية.