تتباين الآراء بحدّة حول "اتفاق الإطار" الذي وقّعه لبنان في واشنطن؛ ففي الوقت الذي رأى فيه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تجسيداً لمنطق الدولة وبنوداً تحفظ الحقوق، ووصفه رئيس الحكومة نواف سلام بأنه خريطة طريق لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة أهالي الجنوب وليس "اتفاقية ثنائيّة"، جاءت الأوصاف التي استعملها "حزب الله" تجاه هذا "الإطار" والسلطة الواقفة خلفه شديدة القسوة. كما صدرت مواقف وسطية كانت تُفضّل تحسين شروط لبنان فيه. فما الأسباب التي أفضت إلى إبرام هذا الاتفاق وفق الصيغة التي خرج بها؟
أولاً: من المعروف أن أي اتفاق سياسي يتوصَّل إليه عند انتهاء أي مواجهة عسكرية يعكس عادةً نتائج الحرب وموازين القوى التي كرّستها. ومن المعروف أن الوفد اللبناني المفاوض لم يكن في موقع قوة ولا في موقع المنتصر؛ إذ ليست إسرائيل من تطالب بأن ينسحب لبنان من قراها وبلداتها، وأن يُفرج عن أسراها، وأن تُتاح عودة مواطنيها إلى مناطقهم، وأن يُسمح لهم بإعادة إعمار ما تهدّم. والأكيد أنه، إضافةً إلى حجم الدمار الهائل الذي طال لبنان وعدد الضحايا الكبير، يوجد واقع لا يمكن إنكاره يتمثّل في خسارة عشرات القرى والبلدات التي باتت محتلة، ومن الضروري استردادها بأيّ وسيلة ممكنة عاجلاً أم آجلاً. انطلاقاً من ذلك، كان على الوفد اللبناني واجب حفظ حق لبنان في هذه البقعة الجغرافية الواسعة عبر تأكيد عودتها إلى السلطة اللبنانية ولو بعد حين.
ثانياً: إن الدور الأميركي في المفاوضات لم يقتصر على الرعاية، بل كان متابعاً لأدقّ التفاصيل، وهو في الواقع دور ضاغط على لبنان وإسرائيل معاً؛ ليس لجهة تمرير بعض البنود غير المثالية لهذا الطرف أو ذاك فحسب، بل أيضاً لجهة رفض أي مماطلة في الخروج بنتائج ملموسة. من هنا، جرى توقيع "اتفاق الإطار" في 26 حزيران بعد نحو شهرين فقط على انطلاق المفاوضات المباشرة في واشنطن في 14 نيسان، حيث عمل الراعي الأميركي على تسريع وتيرة التفاوض وصياغة مخارج للعقبات وفق رؤيته.
ثالثاً: إن التدخل الإيراني المباشر في الحرب التي كانت قائمة في الجنوب، بموازاة إطلاق التهديدات ومحاولة وضع الشروط، أدّى دوراً سلبياً لدى كل من واشنطن وبيروت وتل أبيب خلال جولات التفاوض التي سبقت "اتفاق الإطار". فالولايات المتحدة أرادت فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني كيلا يصبح موضع ابتزاز دائم خلال جلسات التفاوض المقبلة، فزادت ضغوطها للوصول إلى اتفاق بين بيروت وتل أبيب. ولبنان الرسمي رفض من جهته أن يكون الملف اللبناني ورقة مساومة ضمن الصراع الإقليمي-الدولي، حتى لا يكون لبنان شاهد زور على ما يُنسج من تفاهمات، ولأنّ مصلحة الجهة المفاوِضة العليا أي إيران تُصبح هي الطاغية على مصلحة الجهة التي يُفاوَض باسمها دون حضورها أي لبنان. وإسرائيل بدورها وضعت كل ثقلها لمنع ربط الملفَّين اللبناني والإيراني، حتى لو اقتضى الأمر العودة إلى القتال ضد طهران، خشيةَ أن تصبح مشكلتها مع إيران مباشرةً لا مع "حزب الله".
رابعاً: إن قرار السلطة في لبنان بحصر السلاح بالجيش والقوى الشرعية الرسمية طغى بدوره على طاولة المفاوضات في واشنطن، لا سيما أن هذا القرار يحظى بدعم أميركي وغربي وعربي واسع. لذلك لم يجد الوفد اللبناني إشكالية كبرى في ربط مصير كثير من القضايا العالقة مع إسرائيل بمسألة سحب سلاح "حزب الله"، انطلاقاً من قناعة تامة لدى السلطة اللبنانية بأن إهمال موضوع السلاح يعني حتماً تكرار المأساة التي طالت لبنان عموماً والجنوب خصوصاً مرةً تلو أخرى.
الوعد الإيراني... إذاً، الأكيد أن "اتفاق الإطار" ليس في مصلحة لبنان، ودفّة ما سُرّب عن ملحق أمني تابع له تميل تماماً لصالح إسرائيل. فكان ينبغي على الأقل تأمينُ وقف الخروقات الإسرائيلية وأعمال الهدم والتفجير والحرق اللاحقة بما تبقّى من منازل في المنطقة المحتلة. وكان ينبغي عدم التوقيع على أي وثيقة، بغض النظر أكانت اتفاقاً أم إطاراً تمهيدياً لاتفاق لاحق، قبل الحصول على تواريخ محددة لانسحاب قوات الاحتلال، وعدم ترك مسألة تمويل إعادة الإعمار مجرد وعود قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ. لكن بما أن موازين القوى هي التي فرضت هذا الاتفاق، وبما أن الحكومة اللبنانية ممثَّلةً برئيسها سألت: "ما البديل؟"، فعلى الجهات التي تعوّل على الوعد الإيراني أن تُظهر مصداقيتها بتقديم البديل.
وإذا كان صحيحاً أن "مذكرة التفاهم" التي وقّعتها طهران مع واشنطن كفيلةٌ بتثبيت وقف النار في لبنان وتأمين انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، فإنّ الفرصة لم تفت بعد لإثبات ذلك. وإيران التي أدرجت اسم لبنان أكثر من مرة في البند الأول من "مذكرة التفاهم" مع واشنطن دون أن تُكلّف نفسها عناء استشارة الحكومة اللبنانية مسبقاً، يمكنها بكل بساطة تجاهل "اتفاق الإطار" الذي وقّعه الوفد اللبناني الرسمي، ومواصلة الضغط على واشنطن وتل أبيب لتنفيذ ما تراه مناسباً لها ولرأس حربتها في المنطقة أي "حزب الله". لكن إيران تعلم جيداً أن تجاوز الحملات والتهديدات الإعلامية إلى إرغام قوات الاحتلال فعلياً على الانسحاب من شأنه أن يُفضي فوراً إلى مواجهات عسكرية قاسية جديدة مع إسرائيل، لا إلى امتثال هذه الأخيرة لضغوط طهران.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن الشعب اللبناني، وبخاصة أبناء الجنوب، يدفع منذ عقود ضريبة الانخراط في صراع إقليمي-دولي مُدمِّر، وقد آن الأوان للخروج من هذا النفق بأي وسيلة.























































