الذكاء الاصطناعي يُحدث تحوّلاً في مختلف الصناعات حول العالم، ولم يعد قطاع العقارات استثناءً من هذا التحوّل. فمن البحث الذكي إلى التقييمات الآلية وتحليل السوق التنبؤي، بات الذكاء الاصطناعي يُغيّر الطريقة التي يشتري بها الناس العقارات ويبيعونها ويستأجرونها، ليعيد تشكيل قطاعٍ اعتمد تقليدياً على العمليات اليدوية والعلاقات الشخصية.
وهذا التحوّل قائمٌ فعلاً على المستوى الدولي، حيث باتت خصائص البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمطابقة الآلية للعقارات، والتسعير المبني على البيانات، سمات شبه ثابتة في المنصات العقارية الكبرى. وقد سار الاستثمار في المسار نفسه: إذ نمت شركات التكنولوجيا العقارية القائمة على الذكاء الاصطناعي بمعدل يقارب ضعف نمو نظيراتها التقليدية خلال عام 2025، في وقتٍ يتزايد فيه ميل رأس المال الاستثماري نحو المنصات المبنية على الذكاء الاصطناعي منذ نشأتها.
ولبنان بدأ يشهد اليوم الملامح الأولى لهذا التحوّل نفسه، من خلال منظومة ناشئة، وإن كانت لا تزال صغيرة، للتكنولوجيا العقارية.
لماذا لبنان مهيّأ لهذا التحوّل؟
لطالما اعتمد سوق العقارات اللبناني على العلاقات أكثر من اعتماده على البيانات. فالإعلانات العقارية كثيراً ما تتكرر أو تصبح قديمة عبر منصات متعددة، والتسعير نادراً ما يخضع لمعايير موحّدة، ولا يزال جزء كبير من السوق يعمل بالكلمة المتداولة والشبكات الشخصية بدلاً من المعلومات المتاحة للعموم.
ويمثّل هذا الواقع تحدّياً خاصاً لسوقٍ يعتمد بشكل كبير على مشترين غير موجودين فعلياً على الأرض. فحصة كبيرة من الطلب على العقارات اللبنانية تأتي من المغتربين، الذين يتخذون غالباً قرارات مهمة من دون أن يتمكنوا من زيارة الحي المعني أو مقارنة الأسعار في الوقت الفعلي.
وهذه الفجوة تحديداً هي ما يجعل لبنان مرشحاً طبيعياً لاعتماد أدوات عقارية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
مثالٌ محلي
وقد بدأت هذه الأدوات تجد طريقها إلى الاستخدام اليومي محلياً. فبدلاً من تضييق نطاق البحث يدوياً عبر تحديد الموقع والسعر ونوع العقار خطوة بخطوة، بات بإمكان المشتري اليوم أن يكتب أو يتحدث ببساطة إلى مساعد ذكاء اصطناعي بلغة عادية، واصفاً ما يبحث عنه، من نوع "شقة من ثلاث غرف نوم في الأشرفية مع تراس، بسعر أقل من 350 ألف دولار"، ليحصل على نتائج مطابقة في غضون ثوانٍ.
وتبدأ هذه التقنية نفسها بإضفاء وضوح أكبر على عملية التسعير. فمن خلال تحليل كمّ كبير من الإعلانات العقارية النشطة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُظهر اتجاهات الأسعار على مستوى الأحياء والقيم الإرشادية للمتر المربع في وقتٍ قريب من الزمن الفعلي، وهي معلومات كان يصعب تقليدياً الوصول إليها في سوقٍ نادراً ما يخضع تسعيره لمعايير موحّدة.
كما يُغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عمل الوكالات العقارية في يومياتها. فالمهام التي كانت تستغرق سابقاً ساعات، كصياغة أوصاف الإعلانات وتنظيم تفاصيل العقارات ومتابعة العملاء المحتملين، باتت تُنجز بشكل متزايد بمساعدة أدوات ذكاء اصطناعي مدمجة في أنظمة إدارة علاقات العملاء الحديثة، ما يمنح الوكلاء وقتاً أكبر للجانب القائم على العلاقات في عملهم. وتذهب بعض المنصات خطوة أبعد، معتمدةً مطابقة آلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تربط تلقائياً بين المشترين والعقارات التي تناسب متطلباتهم، ما يقلّص الحاجة إلى البحث اليدوي ويساعد الوكالات على الاستجابة لطلبات العملاء بسرعة أكبر.
و"دور إيست" (DoorEast)، وهي منصة عقارية مقرها بيروت، واحدة من المنصات المحلية التي تُطبّق هذه الأدوات فعلياً.
نظرة إلى المستقبل
ومن غير المرجح أن يحل الذكاء الاصطناعي محل العلاقات الإنسانية التي طالما ميّزت قطاع العقارات في لبنان: فالثقة بالوكيل، والتوصية الشخصية، والصلة العائلية، لا تزال عناصر ذات وزن كبير. لكن مع تزايد انتشار أدوات مثل البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي وتحليل السوق، بدأت هذه الأدوات تُسهم في جعل السوق أكثر شفافية وكفاءة، سواء بالنسبة للمشترين الذين يتصفحون الإعلانات أو للوكالات التي تعمل على خدمتهم.
ومع تشكّل قطاع التكنولوجيا العقارية في لبنان تدريجياً، تشير المؤشرات الأولى إلى سوقٍ بات، شيئاً فشيئاً، أكثر شفافية وأكثر سهولة في الوصول إليه، مع منصات مثل دور إيست التي تُعدّ من بين الجهات التي تسهم في قيادة هذا التحوّل.