أكد وزير الثقافة ​غسان سلامة​، خلال حضوره اجتماع الهيئة النيابية لتنفيذ خطة التنمية المستدامة حول "حماية ​التراث الثقافي​ ال​لبنان​ي في ضوء تداعيات العدوان الإسرائيلي"أن من أولويات الوزارة أنها "قيّمة على الذاكرة"، إلى جانب ما يتعلق ببث روح الوحدة الوطنية وتعزيز فكرة الهوية الجامعة والإسهام في عملية التعافي الاقتصادي، مؤكدًا أنه منذ اليوم الأول للاعتداء على لبنان، في الثاني من آذار الماضي، "احتلت ​آثار الجنوب​ عقلنا واهتمامنا".

ولفت الى انه "استفدنا من كل الإمكانات القانونية والدبلوماسية المعتمدة لمحاولة حماية آثار منطقة الجنوب. طبعًا، ليس لدى الوزارة ولا لدى ​منظمة اليونسكو​ أي جيش يذهب للدفاع عن هذه المواقع، لكن هناك وسائل أخرى استعملناها، وأود أن أؤكد لكم أنها فعلت فعلها، وأنه لو استُهدفت الآثار بطريقة مباشرة، رغم اعتراضاتنا ورغم عملنا الدبلوماسي المكثف، لكانت الأضرار أكبر بكثير".

وأضاف: "أود أن أشير إلى العناوين الكبرى لما قمنا به وما سنقوم به لاحقًا. أولًا، هناك نظام في منظمة اليونسكو يسمى نظام الحماية المعززة، بمعنى أنه عليك أن تسحب ذريعة بأن المعتدي لا يعرف ماذا يقصف عندما يهاجم موقعًا أثريًا، فتضع إشارة واضحة على ذلك الموقع لكي لا يقول: لم أكن أعلم. وكنا بحاجة إلى زيادة عدد المواقع التي تحتاج إلى حماية معززة، فاجتمعت اللجنة الخاصة في منظمة اليونسكو، وأنا هنا لا أريد أن أتوقف عن تقديم الشكر لمدير عام اليونسكو الدكتور خالد العناني، الذي تعاون معنا تعاونًا كاملًا خلال هذه الفترة، وإلى بعثتنا في اليونسكو التي كانت نشيطة ونسجت أفضل العلاقات مع إدارة المنظمة، ما سهل علينا جمع تلك اللجنة التي وافقت، في اجتماع طارئ وبإجماع 12 صوتًا، على مضاعفة عدد المواقع ذات الحماية المعززة من 39 إلى 79 موقعًا، وهو ما يضم معظم المباني والآثار التي نعتز بها".

وتابع: "العنوان الثاني هو أننا، ولأننا توجسنا كثيرًا من الخطر المحيط بآثار ​صور​، طلبنا إلى منظمة اليونسكو، باعتبار أن هذه الآثار مدرجة على لائحة التراث العالمي، نقلها إلى فئة التراث العالمي المهدد. وتقدمنا بهذا الطلب الأسبوع الماضي بعد زيارة مدينة صور يوم الأربعاء الماضي. ولم نقف عند هذا الحد، بل تقدمنا أيضًا بطلب ملح إلى لجنة التراث، التي ستعقد اجتماعها الدوري في 17 من الشهر الجاري في كوريا الجنوبية، لإدراج ​قلاع جبل عامل​ الخمس (شمع، الشقيف، شقرا، تبنين ودير كيفا) على لائحة التراث العالمي".

وأضاف: "نعمل بكل جهدنا للحصول على التصويت اللازم لذلك، وإذا تمكنّا من تحقيقه فسيكون أمرًا في غاية الأهمية، وسنوافيكم بأي تطور في هذا الشأن".

وأكد سلامة أن الوزارة لم تكتف بالتواصل مع اليونسكو، بل سلّمت تقريرًا مفصلًا بالأضرار إلى وزير الخارجية ​طارق متري​، الذي أدرج قسمًا خاصًا بالآثار ضمن التقرير المقدم إلى مجلس ​حقوق الإنسان​ في جنيف، على اعتبار أن الأضرار التي تلحق بالآثار هي أيضًا أضرار تمس حقوق الإنسان. وقال: "إذا رأينا أي مؤسسة أو منظمة أو قانون أو معاهدة دولية يمكن أن تساعدنا، فأعدكم بأننا لن نتوانى لحظة عن التواصل معها لتحصيل حقوقنا".

وأشار إلى أن "أضرارًا مباشرة وغير مباشرة لحقت بعدد من المواقع، موضحًا أن مقام شمع تعرض لأضرار مباشرة، إذ سقطت ثلاث من قببه، فيما باتت القبة الرابعة مهددة"، كما أشار إلى "التخوف الذي ساد بعد إعلان الجيش الإسرائيلي وجود أنفاق في ​قلعة الشقيف​، ما استدعى حملة دبلوماسية وإعلامية للتأكيد أن تلك الأنفاق تبعد أكثر من 700 متر عن القلعة".

وأضاف أن "مواقع أثرية في صور و​بعلبك​ تأثرت أيضًا نتيجة ارتجاجات ناجمة عن استهداف مواقع قريبة منها، الأمر الذي أدى إلى سقوط أجزاء من بعض الأعمدة، مؤكدًا أن تقييم حجم الأضرار يتطلب دراسات فنية متخصصة".

وأوضح أن الوزارة والمديرية العامة للآثار، بالتعاون مع نحو 30 حارسًا في مدينة صور، عملوا طوال الأشهر الماضية على توثيق الأضرار، سواء ميدانيًا أو عبر الصور الفضائية وروايات السكان، تمهيدًا لمرحلة إعادة الإعمار بعد التحرير".

وختم سلامة بالتأكيد أن "مفهوم التراث لم يعد يقتصر على المواقع الأثرية الكبرى، بل يشمل البيوت التراثية، والأسواق، والمكتبات العامة، والمؤسسات الثقافية"، مشيرًا إلى "الدمار الذي طال مكتبتي بنت جبيل والطيبة، وإلى إطلاق مشروع يمتد لثلاث سنوات لإحياء المكتبات العامة في لبنان، بالتعاون مع منظمة اليونسكو، عبر نموذج موحد يهدف إلى تحويلها إلى مراكز ثقافية حديثة متعددة الوظائف، تضم ما لا يقل عن عشرة آلاف كتاب وخمسة أجهزة كمبيوتر لكل مكتبة".