كيف تحفظ الكنيسة هويتها عبر القرون؟ أهو التاريخ الذي تكتبه، أم العقيدة التي تُعلنها، أم الليتورجيا التي تحتفل بها في كل زمان ومكان؟ لعل الإجابة تكمن في أن الليتورجيا هي المكان الذي تلتقي فيه هذه الأبعاد كلها، لأنها التعبير الأسمى عن إيمان الكنيسة وذاكرتها الحية وحضورها المتجدد في التاريخ. لذلك لم تكن العناية بالليتورجيا عبر العصور شأناً طقسياً فحسب، بل كانت دائماً مشروعاً كنسياً لإعادة اكتشاف الذات وتجديدها في حضرة الإلهي.
في هذا الإطار يأتي كتاب الأب شربل بو عبود "البطريرك الدويهي: منارة ليتورجية"، ليُعيد قراءة أحد أبرز وجوه الإصلاح الليتورجي في الكنيسة المارونية، كاشفاً عن فكر الطوباوي إسطفان الدويهي بوصفه مشروعاً لاهوتياً وثقافياً لا تزال الكنيسة تستلهم منه حتى اليوم. صدر الكتاب عن دار المشرق في 228 صفحة، ويتألف من ستة عشر فصلاً يُقدّم من خلالها المؤلف دراسةً تحليلية، وقد زيّن غلافه الفنان يوسف هارون.
يكتسب هذا الإصدار أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على عرض التراث الليتورجي الذي تركه الدويهي، بل يتناول مشروعه الإصلاحي من منظور تاريخي ولاهوتي وفلسفي، كاشفاً عن مكانته بوصفه أحد كبار منظّري الليتورجيا في الكنيسة المارونية والمرجعَ الأساس، وصاحب رؤية متكاملة جمعت بين أمانة التقليد والانفتاح على متطلبات الحياة الكنسية. وقد قدّم للكتاب صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الذي رأى فيه إضافة علمية نوعية إلى الدراسات المارونية، معتبراً أنها تُسهم في إبراز غنى التراث الليتورجي الماروني وتفتح أمام الباحثين آفاقاً جديدة لفهم الليتورجيا في أبعادها اللاهوتية والروحية والراعوية، كما تدعو الأجيال الجديدة إلى اكتشاف تراثها الكنسي والاعتزاز به والعيش من روحه في حياتها اليومية. وأعرب غبطته عن أمله في أن يُعمّق هذا العمل الوعيَ بالليتورجيا باعتبارها حياة الكنيسة ومصدر تجددها، وأن يُحيي روح الصلاة والعبادة في قلوب المؤمنين.
ينطلق الأب شربل بو عبود من مؤلَّف الدويهي الشهير "منارة الأقداس" بجزأيه، ليُعيد قراءته قراءة علمية حديثة متجاوزاً المقاربة الوصفية التقليدية نحو تحليل البنية الفكرية واللاهوتية التي يقوم عليها هذا العمل. فالكتاب لا يدرس النصوص الليتورجية بوصفها نصوصاً طقسية فحسب، بل بوصفها تعبيراً عن هوية الكنيسة وفهمها لذاتها ورسالتها في التاريخ. ويُبيّن المؤلف أن الدويهي لم يكن جامعَ نصوص أو شارحَ طقوس وحسب، بل كان صاحب مشروع إصلاحي متكامل عمل على تنقية التقليد الليتورجي والمحافظة على أصالته وتنظيم الحياة الكنسية وفق رؤية لاهوتية وروحية عميقة.
ومن خلال قراءة المؤلف لـ"منارة الأقداس"، يكشف كيف ربط الدويهي بين الليتورجيا واللاهوت والتاريخ، فجعل من الاحتفال الليتورجي مدرسةً للإيمان، ومن الرموز الكنسية لغةً تُعبّر عن سرّ حضور الله في حياة الكنيسة. ويتناول الكتاب محاور متعددة تبدأ بالإطار التاريخي والثقافي الذي نشأ فيه الدويهي، ثم تنتقل إلى تحليل مفهوم الليتورجيا لديه، ولا سيما فهمه للإفخارستيا والرموز الليتورجية واللباس الكهنوتي والاستعداد الروحي للاحتفال بالأسرار. كما يناقش البعد الفلسفي للنصوص الليتورجية، ويُقاربها بوصفها خطاباً كنسياً يُؤسس للهوية ويُعيد تشكيل وعي الجماعة المؤمنة.
ولا يقف البحث عند حدود التحليل التاريخي، بل يطرح سؤالاً معاصراً حول راهنية فكر الدويهي في زمن يشهد تحولات ثقافية ولاهوتية متسارعة. ويخلص المؤلف إلى أن مشروع الدويهي الإصلاحي لم يكن حدثاً مرتبطاً بظروف عصره، بل غدا مرجعاً دائماً استندت إليه الكنيسة المارونية في قراراتها الليتورجية اللاحقة، لأنه قام على إصلاح نابع من داخل التقليد يحافظ على أصالته ويكشف في الوقت ذاته عن طاقته المتجددة.
ومن أبرز ما يُميّز هذا العمل أنه يقرأ الليتورجيا عند الدويهي باعتبارها أكثر من منظومة طقوس واحتفالات؛ فهي في نظره المكان الذي يلتقي فيه التاريخ بالخلاص، والرمز بالحضور الإلهي، والتقليد بالتجدد، والهوية بالانفتاح. فالعبادة ليست ممارسة شكلية، بل هي فعل الكنيسة المؤسِّس لوجودها، وفيها يتجسّد الإيمان ويتحوّل الزمن إلى زمن خلاصي يعيش فيه المؤمن سرَّ حضور الله.
وتنتهي الدراسة إلى التأكيد على أن الطوباوي إسطفان الدويهي قدّم نموذجاً فريداً للاهوت إصلاحي يجمع بين العمق العقائدي والدقة العلمية والحس الرعوي والرؤية الفلسفية للرمز واللغة. ومن هنا فإن إرثه لا ينتمي إلى الماضي وحسب، بل يبقى مشروعاً مفتوحاً أمام الكنيسة المعاصرة، لا سيما في ما يتعلق بتجديد الحياة الليتورجية وتعميق الهوية الكنسية والمحافظة على التراث المشرقي الأصيل.
إن كتاب "البطريرك الدويهي: منارة ليتورجية" لا يكتفي بإحياء تراث أحد أعظم بطاركة الكنيسة المارونية، بل يُقدّم للقارئ والباحث رؤيةً متكاملة إلى الليتورجيا باعتبارها قلب الكنيسة النابض والمكان الذي تتجلى فيه أسرار الإيمان وتتجدد فيه رسالة الكنيسة عبر الأجيال. ومن هنا يُشكّل هذا الإصدار إضافة علمية قيّمة إلى الدراسات الليتورجية المارونية، ومرجعاً مهماً لكل من يرغب في فهم التراث الماروني في عمقه التاريخي واللاهوتي والروحي.