يغرق الداخل ال​لبنان​ي في قراءة التحولات القائمة على الساحة الإقليمية من بوابة الرهانات العاطفية ذات الطابع السياسي بالدرجة الأولى، في حين تبدو المنطقة على عتبة تحولات كبرى يؤدي فيها الجانب الاقتصادي الدورَ الرئيسي، لا سيما على صعيد الصراع على الممرات الذي برز بحدّة في أعقاب أزمة ​مضيق هرمز​ وما خلّفته من تداعيات خطيرة على المستوى العالمي إبّان الحرب الأميركية-ال​إسرائيل​ية على ​إيران​.

ضمن هذا السياق ينبغي فهم الصراعات والتحركات على الساحة الإقليمية، خصوصاً أن المشروع الأساسي البارز في السنوات الماضية هو الممر الهندي نحو أوروبا برعاية أميركية، الذي لا يمكن أن يتحوّل إلى واقع حقيقي دون تحولات كبرى في خريطة المنطقة، كانت معالمها قد بدأت بالظهور منذ السابع من أكتوبر 2023.

وبالإضافة إلى إيران التي تملك القدرة على السيطرة على أهم ممرَّين، مضيق هرمز و​باب المندب​، لا يمكن إغفال ما يجري على الخط التركي-الإسرائيلي في هذا المجال. فمنذ سقوط النظام السابق في دمشق، باتت أنقرة تمتلك القدرة الأكبر على التأثير في الساحة السورية، مما يفرض الإشارة إلى أن تل أبيب كانت تعدّ عند الإعلان عن الممر الهندي أنها حقّقت نجاحاً استراتيجياً سيعزز مكانتها إقليمياً، في حين بادر الرئيس التركي ​رجب طيب أردوغان​ إلى التأكيد أن لا ممرّ من دون أنقرة.

وفي هذا الإطار، ثمة ضرورة للتشديد على أن الحرب على إيران دفعت إلى إعادة التركيز على أهمية الممرات البديلة، وإن كانت هذه المسألة ليست بسيطة على الإطلاق، إذ تحتاج إلى استقرار إقليمي غير متوفر؛ فلن تُقدم أي جهة على ضخّ استثمارات كبرى في منطقة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الهدوء وقد تنفجر فيها الأوضاع في أي لحظة محققةً خسائر فادحة.

ومع ذلك يبقى التنافس التركي-الإسرائيلي العنوانَ الرئيسي في هذا الصراع، لا سيما أن لغة أنقرة تبدّلت منذ سقوط النظام السابق في دمشق؛ إذ باتت تمتلك القدرة على إحداث تحوّل في مسار الممر الهندي بفرضه عبر ​سوريا​ نحو أراضيها، بالتعاون مع جهات عربية ترى مصلحة في ذلك، ولا سيما السعودية. في المقابل، تعدّ تل أبيب هذا التوجه تهديداً لها، لأنها تريد أن يظل ميناء حيفا بوابةَ العبور نحو القارة الأوروبية في إطار علاقتها التحالفية مع اليونان وقبرص.

وفي هذا المجال يمكن فهم التصريحات المتكررة لرئيس السلطة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع عن أن بلاده باتت عقدة ربط لا غنى عنها في سوق الممرات العالمية، وهو ما أكده خلال لقائه الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​ أول من أمس، وإن كانت التفجيرات التي وقعت في دمشق قبيل هذا اللقاء تحمل رسالة مفادها أن سوريا ليست بيئة آمنة لأي استثمارات أو مشاريع كبرى.

وبالتوازي، لا يمكن إغفال الحرص الأوروبي، لا سيما الفرنسي والإيطالي، على البقاء ضمن قوة عسكرية في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل"، على الرغم من المساعي الإسرائيلية المدعومة أميركياً لإقصائها عن الملف اللبناني، وهو ما تُرجم عملياً من خلال مسار المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن.

وفي المحصلة، لم تنتهِ التحولات الكبرى المفترض أن تُكرّس معالم نظام إقليمي جديد بصورة حاسمة بعد، غير أن النظر إليها لا يمكن أن يقتصر على الجانبَين السياسي والعسكري، بل الأساس يبقى في المصالح الاقتصادية. وفي هذا الإطار تبقى ​الولايات المتحدة​ صاحبة القدرة الأكبر على التأثير، في وقت يُصرّ فيه رئيسها ​دونالد ترامب​ على أنها ليست بحاجة إلى مضيق هرمز لأن لديها احتياطات نفطية وفيرة. وهذا الواقع يُعيد طرح السؤال عن مصلحة واشنطن الفعلية في التوصل إلى تسوية شاملة، لا سيما إذا كانت رغبتها في التحكم بالأسعار ضمن سقف يخدم شركاتها (لا يقل عن 60-70 دولاراً للبرميل) يعني أن الأجدى لها هو البقاء ضمن دائرة إدارة الصراعات القائمة لا إنهائها.