على الرغم من التطمينات التي سعت السلطة الانتقاليّة في سوريا إلى تقديمها في الفترة الماضية، إلا أن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يصرّ على إقحامها في الملف اللبنانيّ، من بوابة الحديث عن أن رئيسها أحمد الشرع قدّم التزاماً بشأن "حزب الله"، الأمر الذي يفتح الباب أمام مخاطر كبيرة لن تبقى تداعياتها مقتصرة على الساحة اللبنانيّة، بل من المرجح أن تطال المنطقة برمّتها.
على المستوى الرسميّ، كانت دمشق، منذ اللحظة الأولى، قد قدّمت أكثر من تفسير لرسائل ترامب حول دورها على هذا الصعيد، أبرزها أنها لا ترى أن دورها يمكن أن يكون على المستوى العسكريّ، بالإضافة إلى الإشارة إلى أنها تسعى إلى دعم الدولة اللبنانيّة في تطبيق قرار حصر السلاح على كافة أراضيها، من منطلق أن ذلك ينسجم مع موقف العديد من الجهات الإقليميّة الفاعلة.
هذا الواقع يفتح الباب أمام الكثير من الأسئلة حول كيفيّة ممارسة أنقرة لهذا الدور، على اعتبار أنها صاحبة التأثير الأكبر على السلطة الانتقاليّة في دمشق، خصوصاً أن ذلك قد يقود إلى صدام كبير مع طهران، في حين هي لا تسعى إلى ذلك، على اعتبار أنها ترى أن الحضور الإيرانيّ تراجع على الصعيد الإقليميّ في السنوات الماضية، وبالتالي هي مرشّحة لتعويضه، إلا أن ذلك يتعارض، بحسب ما هو معلن، مع مصالح تل أبيب.
في هذا المجال، لدى أوساط سياسيّة مراقبة قراءة مختلفة لهذا الواقع، حيث تشير إلى أن التوتّر الإسرائيليّ التركيّ يبقى مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة على ضبطه، وبالتالي ما تقوم به واشنطن على هذا الصعيد يأتي من بوابة القناعة بأنها قادرة على إبرام تسويّة تراعي مصالح الجانبين على المستوى الإقليميّ، لا سيّما أن أنقرة هي التي لعبت الدور الأبرز في توجيه ضربة إلى النفوذ الإيرانيّ في المنطقة، من خلال التحوّل الذي حصل على الساحة السوريّة.
بالعودة إلى لبنان، ترى الأوساط نفسها أن كلّ ما حصل، في الآونة الماضية، على مستوى ما فُسّر بأنه رسائل تركيّة، يصبّ في إطار أنها قادرة على التأثير بالشكل الذي يحقّق مصالح الولايات المتحدة في نهاية المطاف، عبر خلق توازن أكبر مع النفوذ الإيرانيّ في الساحة المحليّة، تحديداً مع "حزب الله"، بعد أن برزت مخاوف من إمكانيّة أن يبادر الحزب إلى تحرّك واسع على أرض الواقع، رداً على ما يحصل من قبل السلطة الرسميّة.
بالعودة إلى موقف ترامب الجديد، تشير مصادر سياسيّة متابعة عبر "النشرة" إلى أن أهمّيّته تكمن في أنه يأتي بعد قمّة "الناتو" التي عقدت في العاصمة التركيّة أنقرة، التي شهدت لقاءً جمعه مع الشرع على هامشها، لا سيّما أن الرئيس الأميركيّ سعى إلى توسيع دائرة الرهانات على الدور التركيّ في المرحلة المقبلة على أكثر من ساحة، وبالتالي لا يمكن الفصل بين المسارين بأيّ شكل من الأشكال، بالرغم من المحاذير التي لدى الجانب الإسرائيليّ من هذه المسألة.
هنا، تلفت المصادر نفسها إلى أن هناك الكثير من التسريبات التي تتناول دور أنقرة في الساحة المحليّة، تحت عنوان العمل على احتواء سلاح "حزب الله"، بالتعاون مع بعض الجهات الإقليميّة الفاعلة، أبرزها السعوديّة وقطر ومصر وباكستان، على قاعدة أن تركيا لديها مصلحة في تكريس معادلة إنهاء الفصائل العسكريّة التي تعمل خارج إطار الدولة على الصعيد الإقليميّ، بعد أن كانت قد عانت من هذه المسألة على مدى سنوات طويلة.
في المحصلة، تستبعد هذه الأوساط أن يترجّم ذلك تدخّلاً سوريّاً عسكريّاً في الملف اللبنانيّ، لا سيّما أن التداعيات ستكون خطيرة جداً، بالرغم من التصريحات الأميركيّة المتكررة، إلا أنها تلفت في المقابل إلى أن التوازن المفترض على المستوى السياسيّ لا يقلّ أهمّيّة، خصوصاً أن في الداخل هناك من يتماهى مع ذلك، بل بدأ يتحدّث علانية عن هذا التوازن.