لا يزال الجنوب ال​لبنان​ي يقف على صفيح ساخن، مترقباً مساراً دقيقاً تتداخل فيه الحسابات الميدانية والمسارات السياسية، في ظل محاولة دولية متزايدة لفصل الجبهة اللبنانية عن دائرة الاشتباك الإقليمي وإبقاء الملف الجنوبي ضمن إطار تفاوضي مستقل بعيداً عن التوترات المتصاعدة بين ​واشنطن​ و​طهران​. وفيما يشترط لبنان انسحاب ​إسرائيل​ من "منطقتَين تجريبيتَين" قبل الانتقال إلى جولة جديدة من المفاوضات المباشرة التي تستضيفها ​روما​، تسعى العواصم المعنية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله من هدنة هشة إلى مسار سياسي قابل للاستمرار.

وتؤكد مصادر سياسية لـ"النشرة" أن ملامح المرحلة المقبلة ستتحدد من خلال ثلاثة استحقاقات مفصلية تتزامن في توقيتها، في ظل اتفاق وقف إطلاق نار لم ينجح حتى الآن في إنتاج استقرار دائم بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. وتشير المصادر إلى أن هذا الاتفاق كان في بدايته ثمرة للمسار التفاوضي الأميركي-الإيراني بوساطة باكستانية، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى الإطار اللبناني-الإسرائيلي المباشر في واشنطن برعاية أميركية، ما جعل الجنوب اللبناني نقطة تقاطع بين الحسابات المحلية والتوازنات الإقليمية.

المحطة الأولى، من مفاوضات روما والاختبار الأول للانسحاب الإسرائيلي حيث تُشكّل جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما اختباراً حقيقياً لجدية المسار الدبلوماسي، إذ يربط لبنان مشاركته بتحقيق تقدم واضح، وفي مقدمه انسحاب إسرائيل من "المنطقتَين التجريبيتَين" وانتشار الجيش اللبناني مكانهما. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى إبقاء هامش واسع للمناورة والمماطلة، بينما تضغط الإدارة الأميركية باتجاه وضع جداول زمنية واضحة للانسحاب وتثبيت الالتزامات المرتبطة ب​اتفاق وقف إطلاق النار​.

وتوضح المصادر أن جولة روما لا تقتصر على بحث الترتيبات العسكرية لتثبيت الهدنة، بل تتجاوزها إلى صياغة تفاهمات أوسع تشمل الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي المحتلة ووقف الاعتداءات ووضع آليات تمنع عودة التصعيد. غير أن هذه المصادر لا تُبدي تفاؤلاً مفرطاً، معتبرةً أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع الملف من موقع التفوق العسكري مستندةً إلى استمرار عملياتها داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي يجعل أي تفاهم سياسي عرضةً للاهتزاز أمام أي تطور ميداني.

المحطة الثانية تتمثل المحطة الثانية في اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ ورئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​ في البيت الأبيض، بعد اتفاقهما خلال اتصال هاتفي على عقده قريباً لبحث ملفات التنسيق الأمني والسياسي. ويأتي هذا اللقاء في ظل تباين واضح في مقاربة الفريقين للملف اللبناني؛ إذ تضغط واشنطن باتجاه الحد من العمليات الإسرائيلية لإنجاح المسار التفاوضي، بينما تتمسك إسرائيل بإبقاء قواتها ضمن ما تسميه "المنطقة الأمنية" وربط أي انسحاب بملف سلاح "​حزب الله​".

وتُصرّ إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية دون الالتزام الكامل ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، كما تسعى وفق مصادر سياسية إلى الحصول على موافقة أميركية لعمليات عسكرية تستهدف مواقع تعدّها ذات أهمية استراتيجية، ومنها مرتفعات علي الطاهر في ​النبطية​ التي تعتقد بوجود منشأة عسكرية تحتها.

المحطة الثالثة في اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ ونظيره الأميركي دونالد ترامب في 21 تموز الجاري بدعم عربي، لبحث آليات تطبيق اتفاق الإطار الأمني الموقَّع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. ويتركز الاهتمام الأميركي على إنهاء حالة الحرب في لبنان ودفع إسرائيل نحو الانسحاب من الجنوب والبدء بتنفيذ الترتيبات المتعلقة بـ"المناطق التجريبية"، بما يُعزز دور الدولة اللبنانية وانتشار الجيش.

وتُشير مصادر سياسية لـ"النشرة" إلى أن الرئيس عون سيعرض رؤية الدولة اللبنانية لمعالجة ملف سلاح "حزب الله" وحصر القرار العسكري بيد المؤسسات الشرعية، إلى جانب سبل التعاون مع واشنطن في المرحلة المقبلة، في ظل توجه أميركي لتقديم دعم مالي وعسكري للجيش اللبناني بهدف تعزيز قدرته على بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية.

لا يمكن قراءة هذه المحطات الثلاث باعتبارها مسارات منفصلة أو لقاءات متفرقة، بل هي حلقات مترابطة ضمن محاولة واحدة لإعادة ترتيب المشهد في الجنوب اللبناني وتثبيت قواعد جديدة تحكم المرحلة المقبلة. فمفاوضات روما تُمثّل الجانب التنفيذي والميداني لهذا المسار من خلال البحث في آليات الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت وقف إطلاق النار، بينما يعكس لقاء ترامب-نتنياهو البعد الأميركي-الإسرائيلي في إدارة التوازن بين متطلبات التهدئة ومطالب الأمن الإسرائيلية، في حين يُشكّل لقاء ترامب-عون الجانب السياسي اللبناني الهادف إلى تكريس دور الدولة والجيش مرجعيةً أساسية في المرحلة المقبلة.

وبين هذه المستويات الثلاثة يتشكّل مسار واحد هدفه تحويل الجنوب من ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد إلى ملف سياسي قابل للضبط، غير أن نجاحه يبقى مرتبطاً بمدى القدرة على تحييد الجبهة اللبنانية عن الصراعات الإقليمية الأوسع، ولا سيما مسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية الذي لا يزال أحد أبرز العوامل المؤثرة في أزمات المنطقة. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الجبهة الجنوبية اللبنانية كانت تتأثر مباشرة بمستوى التوتر أو الانفراج بين واشنطن وطهران، مما يجعل أي قراءة لمستقبل الجنوب دون الأخذ بعين الاعتبار هذا الترابط قراءةً ناقصة.