في 13 حزيران 2025 أطلقت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل هجمات واسعة مباغتة على إيران لتندلع حرب عنيفة بين الطرفين تواصلت على مدى 12 يومًا. وفي 28 شباط 2026 تكرّر السيناريو نفسه، واستمرّ القتال حتى 8 نيسان. ومنذ ذلك الحين حتى الأمس القريب بقي وقف النار هشّا وعرضة للعديد من الخروقات المتبادلة. فهل يمكن أن يُؤدّي التوتّر الحالي إلى مواجهة ثالثة بين طهران وكل من واشنطن وتل أبيب، وأين موقع "حزب الله" منها؟
بداية لا بُد من التذكير بأن توقف ما يُعرف باسم حرب الأربعين يوما، أي المواجهة الثانية التي دارت هذا العام، لم يكن بسبب توقيع "مُذكّرة التفاهم" التي تقوم واشنطن وطهران بتفسيرها من وجهات نظر مختلفة، حيث أن بنود هذه المذكّرة تحمل التأويل وتتيح اللعب على الكلام للتهرّب من الالتزامات. وما أوقف الحرب الشاملة هو عدم قدرة العالم على تحمّل موجة الغلاء التي تعاظمت بسبب إغلاق مضيق هرمز. وقد وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه مضطرا لوقف الحرب، لإعادة فتح المضيق، وتحرير شحنات سفن الطاقة، وإعادة خفض الأسعار، حتى ولوّ من دون نيل أي مكاسب تُذكر من جانب إيران باستثناء تعهّدات مطّاطية بشأن البرنامج النووي الإيراني قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ أبدًا. وهنا إشارة إلى أن مسألة الملف النووي هي أصلًا شمّاعة إعلامية استعملتها القيادتان في أميركا وإسرائيل، على الرغم من علمهما من أن الخطر الإيراني الفعلي عليهما وعلى الدول الحليفة لهما، ليس من البرنامج النووي، بل هو في مكان آخر مختلف تمامًا، يشمل على سبيل المثال لا الحصر الصواريخ الباليستية والمُسيّرات والجماعات المُسلّحة التي تموّلها وتديرها إيران على مستوى الشرق الأوسط ككل.
في المقابل، أدركت طهران من جهتها حجم تأثير هذه الورقة التي تفوق بأهميتها ورقة استهداف تل أبيب، وحتى ورقة استهداف دول الخليج، إلى درجة أنّها صارت تستعملها بشكل دائم عبر ضرب متقطّع للسفن التي تعبر مضيق هرمز، في مُحاولة لإبقاء سيطرتها على المسارات البحرية لتعزيز شروطها التفاوضية. في المقابل، لا تتردّد أميركا بالرد عسكريا على هذه الخروقات الإيرانية في المضيق، كونها مُصرّة على انتزاع هذه الورقة من يد طهران. وبالتالي، يمكن القول إنّ الحرب يمكن أن تعود إلى الشرق الأوسط في المستقبل، لكن ليس بسبب خلاف سياسي تفاوضي هنا أو مواجهة أمنية عابرة هناك، بل نتيجة إصرار واشنطن على فتح المضيق بالقوة، الأمر الذي ستواجهه طهران حتى النهاية، لأن قدراتها العسكرية وحدها تجعلها في موقع الخاسر على المدى الطويل ما لم تكن تملك ورقة ضغط مؤذية للخليج والعالم أجمع تتمثّل في التحكم بمسارات مضيق هرمز. وفي حال أصرّت طهران على ضرب السفن ومحاولة إغلاق المضيق بشكل كامل، فإنها تكون تواصل اللعب بالنار، لأن القرار الأميركي مُتخذ بمنعها من ذلك. يمكن التغاضي عن ضرب سفينة هنا أو هناك، والاكتفاء بالرد عليها بسلسلة غارات، لكن لا يمكن السماح لها بإعادة إغلاق المضيق كليًا، حتى لو اضطرّت واشنطن إلى العودة للحرب المفتوحة من جديد.
وبالنسبة إلى تأكيد عدد من مسؤولي "حزب الله"، ومن بينهم عُضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسين الحاج حسن، أن "الحزب" لن يترك إيران وحدها في مواجهة أميركا، والتي رأى فيها خُصومه تهويلا إعلاميا غير صالح للتطبيق، فهو جدّي بعكس ما يظن الكثيرون. فبعد حرب "إسناد غزّة" والخسائر الجسيمة التي مني بها "الحزب" ظنّ الكثيرون أن ورقته انتهت إلى غير رجعة، ليفاجأوا بدخوله الحرب دعما لإيران، بغض النظر عن النتيجة السلبية التي أسفرت عن هذه الخطوة. واليوم، في حال تعرّض الجمهورية الاسلامية لهجوم ثالث متواصل وشامل من جانب أميركا وإسرائيل، سينخرط "حزب الله" في المعركة مرّة أخرى، ليس لأنّه قادر على قلب المعادلات العسكرية، بل لأنّه ربط مصيره بمصير إيران بشكل تام. وبالتالي، في حال اندلاع الحرب مُجدّدا سينفّذ "الحزب" هجمات شاملة على مواقع قوات الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب وعلى الداخل الإسرائيلي أيضا، سعيًا لربط مصير قرى الجنوب والأسرى بأي اتفاق يمكن أن ينهي الحرب المقبلة المحتملة. وستكون المسألة عبارة عن فرصة مؤاتية له للرد على الخروقات الإسرائيلية، ولتغيير المعادلة القائمة حاليا والتي هي في غير صالحه، وخُصوصا لتعزيز قدرة إيران التفاوضية بإظهار امتلاكها لورقة "السلاح" الأقرب جغرافيا لإسرائيل.
في الخلاصة، يمكن القول إنّ رهان واشنطن على فتح مضيق هرمز من دون اتفاق مسبق مع طهران خطير، والأخطر منه رهان هذه الأخيرة على إغلاقه بالقوة. أمّا الرهان الأكثر خطورة على الإطلاق والذي يبلغ حدّ المقامرة، فيتمثّل في محاولة "حزب الله" الاستقواء بإيران، والتماهي معها في الحرب والسلم، مُعتقدًا بأن هذه السياسة ستعيد القرى والبلدات الجنوبية المحتلة، في حين أن أي خسارة لطهران ستعني وداع قرى وبلدات ما يُسمّى "الشريط الأصفر" بالكامل وربما نهائيا!