لم يعد الدور الأميركي في ملف جنوب لبنان يقتصر على رعاية جولات التفاوض أو استضافتها أو نقل الرسائل بين لبنان وإسرائيل. فقد انتقل إلى مستوى أكثر التصاقًا بالتنفيذ، مع وصول وفد من القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" إلى بيروت، وبدء اجتماعاته مع قيادة الجيش للبحث في الآليات التقنية واللوجستية المرتبطة بتنفيذ الاتفاق، وخصوصًا ما بات يُعرف بـ"المناطق التجريبية" التي يفترض أن يبدأ منها الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.
بهذه الخطوة، تتقدم واشنطن من صياغة الإطار السياسي إلى المشاركة في تنسيق تفاصيله الميدانية. ولا يبدو واقعيًا حصر هذا الانتقال في الجانب التقني وحده، إذ أنشأ اتفاق واشنطن "مجموعة تنسيق عسكرية للبنان" لمتابعة منع الاحتكاك والتحقق من الالتزامات، وربط توسيع انتشار الجيش وإعادة الانتشار الإسرائيلي بمسار تدريجي تُفكك خلاله البنى المسلحة وتُثبت سلطة الدولة في المناطق التي تتسلمها.
لذلك، لم تعد المسألة تتعلق بمن يفاوض باسم لبنان فحسب، وإنما بمن يحدد وتيرة التنفيذ، ويتحقق من الالتزامات، ويفسر ما إذا كانت الشروط المطلوبة قد تحققت بما يكفي للانتقال إلى مرحلة جديدة. هنا تظهر المفارقة الأساسية، فالدولة تقول إن الاتفاق يعيد إليها السيادة، فيما تصبح استعادة هذه السيادة مرتبطة بآلية خارجية تسهّلها الولايات المتحدة، ويحتفظ الجانب الإسرائيلي داخلها بقدرته على الاعتراض على الانسحاب أو ربطه بتقييمه لأداء الجيش وواقع السلاح.
فهل يشكل دخول "سنتكوم" ضمانة تساعد لبنان على استعادة أرضه، أم ينقل مركز القرار الأمني إلى آلية تنسيق تقودها واشنطن عمليًا؟ وقبل ذلك، من يملك حق تحديد وتيرة تنفيذ اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن أواخر حزيران الماضي؟
من طاولة التفاوض إلى غرفة التنسيق
عمليًا، بدأ المسار الأميركي بوساطة سياسية بين وفدين تفاوضا في واشنطن، لكنه انتهى إلى إنشاء آلية عسكرية لمتابعة التنفيذ. وإذا كان النص الرسمي يتحدث عن مجموعة تنسيق عسكرية تسهّلها الولايات المتحدة، فإن دخول "سنتكوم" على الخط يجعلها تؤدي دورًا متقدمًا في تسهيل الاتصال العسكري غير المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بعد رفض لبنان أي تنسيق مباشر مع إسرائيل.
تبدو الحاجة العملية إلى قناة من هذا النوع مفهومة. فالجيش اللبناني لا يستطيع الانتشار في مناطق تبقى فيها القوات الإسرائيلية، فيما يخشى لبنان أن يتحول انتظار الترتيبات إلى تثبيت للاحتلال. لذلك، قد يكون وجود طرف ثالث ضروريًا لترتيب التوقيت ومنع الاحتكاك وضمان عدم حدوث فراغ أمني.
لكن وظيفة الوسيط تتسع سريعًا. فعندما يتولى الطرف الأميركي متابعة المواقع وتسلسل الخطوات ومعايير الانتقال بين المراحل، يصبح جزءًا من بنية القرار الميداني، وليس فقط ناقلًا للرسائل بين الطرفين. وتزداد حساسية هذا الدور عندما تتباين الروايتان اللبنانية والإسرائيلية حول الطرف الذي يؤخر التنفيذ، وحول معنى الالتزام الفعلي ببنود الاتفاق.
اللافت في مهمة هذا الوفد أنه ليس طرفًا محايدًا يجمع الآراء فحسب، وإنما حلقة وصل تنقل مواقف كل طرف إلى الآخر. فقد جاءت اجتماعات بيروت بعد اتصالات أجراها الجانب الأميركي مع المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، حيث اطّلع على موقف تل أبيب الذي يحمل لبنان مسؤولية التأخر في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، وفق ما تسرّب من معلومات عن زيارة الوفد إلى تل أبيب.
في المقابل، وبحسب معلومات متقاطعة، أبلغ الجيش اللبناني الوفد الأميركي أنه بلغ الجهوزية المطلوبة لتنفيذ خطته، بدءًا من المرحلة الأولى في المناطق التجريبية، وأنه أعدّ خططًا تفصيلية للانتشار والمسح الميداني وتثبيت سلطة الدولة في المناطق التي سينطلق منها التنفيذ. غير أنه أكد له في الوقت نفسه أن ترجمة هذه الجهوزية على الأرض تبقى رهن قرار سياسي واضح يصدر عن مجلس الوزراء، بما يعكس حرص القيادة العسكرية على التمسك بحدود دورها التنفيذي، من دون أن تحل محل السلطة السياسية في اتخاذ قرارات ذات طابع سيادي.
اختبار الجهوزية قبل جولة روما
هذا التوزيع للأدوار هو ما يمنح دخول "سنتكوم" دلالته الأعمق: جيش ينفذ، وسلطة سياسية تقرر، ووفد أميركي يشرف وينقل. وبكلام آخر، لم تعد واشنطن تكتفي برعاية طاولة التفاوض، وإنما باتت طرفًا فعليًا في صياغة الخرائط والجداول الزمنية للتنفيذ الميداني.
تتعزز أهمية هذا البعد مع اقتراب الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، المقررة في روما يومي 15 و16 تموز الجاري، بعدما استضافت واشنطن الجولات الخمس الأولى. ووفق معلومات صحافية، تسعى الاجتماعات الحالية إلى تقريب المواقف بشأن ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي والانتشار اللبناني، بما قد يتيح إعلان جدول أولي للتنفيذ خلال جولة روما.
بهذا المعنى، قد تتحول روما من محطة تفاوضية جديدة إلى مناسبة لإعلان ما أمكن التوصل إليه ميدانيًا قبل انعقادها. وهذا ينسجم مع تمسك لبنان بأن تبدأ إسرائيل انسحابًا فعليًا من مواقع داخل المناطق التجريبية، كي ينتشر الجيش فورًا ويمنع أي فراغ.
في المقابل، تشير المعطيات الإسرائيلية إلى محاولة الفصل بين الخطوتين. فتل أبيب تريد اختبار أداء الجيش اللبناني في مناطق لا تخضع كلها للاحتلال المباشر، والتحقق من قدرته على منع السلاح وتفكيك البنى العسكرية، قبل الانتقال إلى انسحابات إضافية. وبذلك، قد تتحول "المنطقة التجريبية" من نموذج لاستعادة الأرض إلى اختبار أحادي لأداء الدولة اللبنانية.
لكنّ المشكلة تكمن في عدم توازن الشروط. فالجيش مطالب بإثبات احتكاره للسلاح ومنع عودة "حزب الله" إلى المناطق التي ينتشر فيها، فيما لا تخضع إسرائيل لاختبار مماثل يتعلق بوقف الاعتداءات أو وقف تدمير القرى أو تثبيت جدول زمني ملزم للانسحاب. وبهذا المعنى، يصبح الأداء اللبناني شرطًا مسبقًا، فيما يبقى الالتزام الإسرائيلي قابلًا للتأجيل.
تزداد المفارقة مع الحديث عن مناطق تجريبية تقع أجزاء واسعة منها خارج نطاق الاحتلال الإسرائيلي المباشر، حيث ينتشر الجيش اللبناني أصلًا. لذلك، يصر لبنان على أن تبدأ التجربة من أرض تنسحب منها إسرائيل، لا من قرى خاضعة للدولة تُستخدم لاختبار قدرتها على ضبط السلاح.
هنا يكمن الامتحان الحقيقي لدور "سنتكوم": هل تدفع نحو تزامن واضح بين الانسحاب الإسرائيلي ودخول الجيش، أم تكتفي بتحويل المطالب الإسرائيلية إلى معايير تقنية يتوجب على لبنان تحقيقها قبل استعادة أرضه؟
سيادة مشروطة بالأداء
يحمل اتفاق واشنطن منطقًا قائمًا على التدرج والتحقق، إذ يربط توسيع انتشار الجيش وإعادة الانتشار الإسرائيلي بإثبات تفكيك البنى المسلحة ومنع عودتها. قد يبدو هذا التسلسل واقعيًا من الناحية الأمنية، لكنه يغيّر معنى السيادة: الأرض اللبنانية لا تعود لمجرد أنها محتلة، وإنما بعد أن تثبت الدولة تحقيقها معايير أمنية يشارك الاحتلال في تعريفها وتقييمها.
تزداد الإشكالية لأن الاتفاق يوزع وظائف التنسيق والتحقق على مجموعة عسكرية وجهات خارجية، لكنه لا يحسم بوضوح من يملك الكلمة النهائية إذا قالت بيروت إن الجيش نفذ المطلوب، فيما أصرت إسرائيل على أن التهديد لا يزال قائمًا.
في هذه الحالة، يصبح الدور الأميركي مرشحًا للتحول من موقع المنسق إلى موقع الحَكَم العملي بين تقييمين متناقضين. وهذا يمنح واشنطن قدرة واسعة على تفسير الاتفاق، ويجعل تنفيذ الانسحاب مرتبطًا باستعدادها للضغط على إسرائيل، لا ببنود النص وحدها.
لبنان يحتاج إلى دعم عسكري ولوجستي وسياسي كي ينتشر الجيش في الجنوب. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدعم إلى تفويض مفتوح، وحين تصبح سيادة الدولة مشروعًا يُقاس من الخارج، بدل أن تكون حقًا ثابتًا تواكبه ترتيبات أمنية متبادلة ومحددة زمنيًا.
الفصل المزدوج أمام مفارقة جديدة
دخل لبنان المفاوضات وهو يحاول تحقيق فصل مزدوج: فصل قرار الجنوب عن المواجهة الأميركية الإيرانية، وإخراج مستقبل الحدود من كونه ورقة بيد "حزب الله" أو جزءًا من صفقة إقليمية أوسع. وكان الرهان أن تستعيد الدولة دورها المباشر، وأن تنتقل مسألة الحرب والتفاوض إلى المؤسسات اللبنانية.
غير أن انتقال الدور الأميركي من الوساطة السياسية إلى الإشراف العسكري يفتح مفارقة جديدة. فقد ينجح لبنان في فصل مساره عن إيران، ثم يجد أن هذا المسار أصبح أكثر ارتباطًا بالتقدير الأميركي والتقييم الأمني الإسرائيلي. عندها، تكون الدولة قد ابتعدت عن مرجعية خارجية، لكنها لم تستعد بالضرورة قرارها كاملًا.
ويزيد موقف "حزب الله" الرافض للاتفاق التعقيد. فحصرية السلاح واستعادة قرار الحرب قضيتان لبنانيتان يفترض أن تُعالجا داخل المؤسسات وبقرار وطني. وربطهما بانسحاب الاحتلال يمنح إسرائيل قدرة على استخدام الخلاف الداخلي ذريعة للبقاء، ويدفع الجيش إلى استحقاق حساس بينما لا تزال أجزاء من الأرض محتلة.
بذلك، قد يتحول "الفصل المزدوج" من محاولة لتحرير القرار اللبناني من التسويات الإقليمية إلى فصل من نوع آخر: فصل الملف الأمني عن النقاش السياسي الداخلي، ونقله إلى آلية خارجية تحدد ما يجب على الجيش فعله قبل أن تنسحب إسرائيل.
ضمانة للانسحاب أم إدارة للانتظار؟
لا تكمن المشكلة في وجود دور أميركي عسكري أو تقني بحد ذاته، فالجيش اللبناني يحتاج إلى قناة تضمن عدم وقوع فراغ أو احتكاك أثناء الانسحاب. غير أن شرعية هذه القناة تُقاس بنتيجتها: هل تفرض تزامنًا بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش، أم تحوّل المطالب الإسرائيلية إلى شروط مفتوحة لا سقف زمنيًا لها؟
إذا نجحت "سنتكوم" في تثبيت خطوات متبادلة ومتزامنة بين الطرفين، فقد يصبح إشرافها ضمانة مؤقتة تساعد الدولة على استعادة الأرض. أما إذا اقتصر دورها على اختبار الجيش اللبناني والتحقق من أدائه، من دون معيار مماثل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب، فستتحول الآلية إلى إدارة أميركية لانتظار لبناني مفتوح.
عندها، لن يكون السؤال ما إذا كان الجيش قادرًا على الانتشار، فقد أعلن استعداده لذلك، وإنما من يملك قرار السماح له باستعادة الأرض. وبين الضمانة والوصاية، ستتحدد طبيعة الدور الأميركي الجديد، كما سيتحدد ما إذا كان اتفاق واشنطن يعيد السيادة إلى الدولة، أم يجعلها سيادة مشروطة بموافقة الخارج.




















































