على الرغم من استمرار الجدل حول "مبدأ" ​المفاوضات​ بين ​لبنان​ و​إسرائيل​، يبدو أن الجولة السادسة حققت تقدمًا إجرائيًا واضحًا. فهي، بالحد الأدنى، تجاوزت البحث في فكرة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان أو جاهزية ​الجيش اللبناني​ للانتشار في المناطق التي تُخلى، لتنقل النقاش إلى سؤال أعمق: كيف تُرتب الخطوات، ومن يتحرك أولًا، وما الذي يُعدّ نجاحًا يسمح بالانتقال من "​المناطق التجريبية​" إلى بقية الأراضي المحتلة؟

برز هذا التقدم في مضمون البيان الذي أصدرته السفارة الأميركية في ​روما​ عقب الجولة السادسة، إذ أعلنت الاتفاق على "هيكلية وإرشادات آلية المنطقة التجريبية"، على أن تُستكمل وتدخل مرحلة التنفيذ خلال الأيام المقبلة. وكان لافتًا أيضًا ما تضمنه البيان من حديث عن الانتقال إلى محادثات تقنية موسعة تشمل بنود الإطار الثلاثي، وصولًا إلى اتفاق شامل بين لبنان وإسرائيل.

غير أن الإعلان عن وضع هيكلية للآلية لم يقترن بحسم واضح لطبيعة الالتزامات داخلها، ولا بتحديد لا يحتمل اللبس لمعايير النجاح. هنا تظهر المفارقة الأساسية: فعلى الرغم من أن الآلية تبدو موزعة للمهام بين الطرفين، فإنها قد تتحول عمليًا إلى معادلة غير متوازنة، تُختبر فيها إسرائيل بخطوة جغرافية محدودة، بينما يُختبر لبنان بمهمة أمنية وسياسية أوسع. لذلك، يبقى التحدي الأساسي في منع استخدام التجربة لجعل الانسحاب نتيجة مؤجلة لما ينجزه لبنان، بدل أن يكون التزامًا إسرائيليًا متزامنًا معه.

من خريطة إلى اختبارين

تبدو "المنطقة التجريبية" للوهلة الأولى إجراءً تقنيًا يقوم على خطوات تدريجية، بمعنى أن تنسحب ​القوات الإسرائيلية​، فيدخل الجيش اللبناني، وتبدأ عملية التحقق، ثم تتوسع التجربة. غير أن هذه الصورة تخفي اختلافًا جوهريًا بين ما يُطلب من الطرفين. فإسرائيل مطالبة بإخلاء رقعة محددة، بينما يُطلب من الدولة اللبنانية أن تثبت قدرتها على الانتشار وضبط الأرض ومنع أي وجود مسلح خارج سلطة الدولة، وتوفير ضمانات تستمر بعد الانسحاب.

في هذا السياق، تشير المعلومات المتداولة حول المفاوضات إلى البحث في منطقتين تختلفان في موقعهما وطبيعة المهمات المطلوبة فيهما، ترتبط إحداهما بأراض توجد فيها القوات الإسرائيلية، فيما تقع الثانية بمحاذاة نطاق انتشارها. وقد أثار ذلك سؤالًا لبنانيًا عن معنى تجربة لا تتضمن في جميع مراحلها انسحابًا إسرائيليًا فعليًا، وهو ما دفع لبنان إلى التشديد على أن يبدأ التنفيذ من مناطق تحتلها إسرائيل، حتى لا تتحول التجربة إلى اختبار أحادي للجيش اللبناني.

استنادًا إلى ما تقدم، لا تكمن المشكلة الحقيقية في اعتماد التدرج في الخطوات المطلوبة من الطرفين، إنما في تعريف نقطة البداية. فإذا بدأت التجربة بانتشار لبناني من دون انسحاب إسرائيلي موازٍ، يصبح التنفيذ اللبناني مقدمة لإقناع إسرائيل بالتحرك لاحقًا، ويصبح ​الانسحاب الإسرائيلي​ نتيجة مشروطة، بدل أن يكون واجبًا. أما إذا تزامنت الخطوتان، فتتحول المنطقة التجريبية إلى نموذج مصغر لمعادلة يمكن توسيعها وتطبيقها في بقية الأراضي المحتلة.

إسرائيل أمام امتحان الانسحاب

المطلوب من إسرائيل واضح، وينبغي أن يكون تنفيذه أكثر وضوحًا: إخلاء المواقع، ووقف الأعمال العسكرية داخل المنطقة المحددة، وتسليم الأرض إلى الجيش اللبناني من دون الاحتفاظ بحق التدخل فيها كلما ادعت وجود تهديد. بمعنى آخر، المطلوب ليس إعلان الاستعداد للتنفيذ، ومن ثمّ الحديث عن هامش للتحرك، ردًا على تهديد قد لا يكون حقيقيًا، إنما إنتاج واقع يمكن قياسه: أين انسحبت القوات؟ ما المواقع التي أزيلت؟ وما الحدود التي أصبحت تحت السيطرة الفعلية للدولة اللبنانية؟

لذلك، لا يكفي الركون إلى تصريحات القادة الإسرائيليين عن الاستعداد للمضي في التجربة، كما لا يكفي انسحاب إسرائيل من رقعة صغيرة لاعتبار الاختبار ناجحًا.

يبدأ النجاح عندما يصبح الانسحاب غير قابل للرجوع، ولا يخضع في كل مرحلة لتقدير أمني إسرائيلي منفرد. خلاف ذلك، قد تستخدم تل أبيب خطوة محدودة لإثبات "حسن النية"، ثم تثبت احتلالها في بقية المناطق بحجة أن الشروط اللبنانية لم تكتمل أو أن التهديد لا يزال قائمًا.

من هنا، يمكن القول إن المنطقة الواقعة تحت الاحتلال هي الاختبار الأكثر وضوحًا لاتفاق واشنطن ولوعود روما، لأن المطلوب فيها فعل إسرائيلي قابل للقياس ميدانيًا: إخلاء القوات والمواقع، وقف عمليات التدمير، والسماح للجيش اللبناني بالدخول. لكن، حتى في هذه الحالة، تستطيع إسرائيل القبول بانسحاب محدود من دون أن تغيّر رؤيتها لبقية الشريط المحتل، وهذا ما يجعل الانسحاب من منطقة واحدة غير كافٍ للقول إن مسار الانسحاب الكامل أصبح مضمونًا.

لبنان أمام امتحان أصعب من الانتشار

في المقابل، لا يقتصر الاختبار اللبناني على إدخال وحدات من الجيش إلى الأرض التي تنسحب منها إسرائيل. المطلوب، وفق منطق الاتفاق، إثبات سيطرة مستدامة، والتعامل مع البنى والسلاح غير الشرعيين، ومنع إعادة تكوين أي وجود عسكري خارج مؤسسات الدولة. وهذه مهمة تنقل التنفيذ من مستوى الانتشار العسكري إلى قلب الانقسام اللبناني حول سلاح "​حزب الله​" وحدود قدرة الدولة على معالجته.

تزداد المسألة تعقيدًا بالنظر إلى موقف "حزب الله" الذي يربط أي نقاش في سلاحه بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، فيما تقدم الحكومة الاتفاق بوصفه مسارًا لاستعادة السيادة وبسط سلطة الدولة. يضع هذا التناقض الجيش أمام مهمة مزدوجة: ملء الفراغ الذي يتركه الانسحاب، وتجنب تحول التنفيذ إلى صدام داخلي، في وقت تنظر فيه إسرائيل إلى أدائه بوصفه معيارًا للانتقال إلى المراحل التالية.

هكذا يصبح عدم التكافؤ واضحًا. إسرائيل تستطيع تنفيذ انسحاب موضعي بقرار عسكري مباشر، بينما يحتاج لبنان إلى إدارة توازنات سياسية وطائفية وأمنية متشابكة. وربط كل مرحلة بتقييم ما أنجزه الجيش قد يحول الاتفاق من آلية لاستعادة الأرض إلى امتحان مفتوح للدولة اللبنانية، تقدم خلاله التزامات متراكمة مقابل انسحابات إسرائيلية محدودة ومشروطة.

من يكتب قواعد الاختبار ومن يعلن نجاحه؟

قد يكون أهم ما في بيان السفارة الأميركية الإعلان عن الاتفاق على "هيكلية وإرشادات" للمنطقة التجريبية. لكن الإعلان عن وجود قواعد لا يكشف مضمونها، ولا يوضح ما إذا كانت توزع الالتزامات بالتساوي بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، أم تضع الإنجاز اللبناني تحت رقابة أكثر تفصيلًا، فيما يقتصر قياس الالتزام الإسرائيلي على إخلاء جغرافي محدود.

هل يجري التحقق من إخلاء إسرائيل المواقع بالصرامة نفسها التي يجري بها تفتيش المنطقة بعد انتشار الجيش؟ من يقرر أن الدولة أنجزت مهمتها؟ هل تكفي سيطرة الجيش العملياتية، أم يُطلب منه إثبات إزالة كل بنية يُشتبه بأنها مرتبطة بـ"حزب الله"؟ وماذا يحدث إذا أعلن لبنان نجاح الانتشار، بينما قالت إسرائيل إن التهديد لا يزال قائمًا؟

هنا تحديدًا يكمن الخلل المحتمل في معادلة روما: أن يصبح الإنجاز اللبناني خاضعًا لتدقيق مفصل وميداني، بينما يُكتفى إسرائيليًا بانسحاب جزئي أو قابل للتأويل. فآلية التحقق ليست تفصيلًا تقنيًا يُترك للاجتماعات العسكرية اللاحقة، إنما هي جوهر التوازن الذي يُفترض أن تكون روما قد أرسته. فإذا خضع الطرفان لمعايير غير متكافئة، يتحول الاختبار المزدوج إلى اختبار واحد فعليًا، تتحمل فيه الدولة اللبنانية العبء الأكبر من الإثبات، فيما يبقى الالتزام الإسرائيلي مرنًا وقابلًا للتفاوض في كل محطة.

من دون معايير واضحة ومتوازنة، يمكن أن تتحول الآلية من ضمانة للتنفيذ إلى أداة لتعليقه. وقد تصبح واشنطن، بصفتها الجهة الراعية والمنسقة، صاحبة الدور الأبرز في تفسير الإرشادات وتحديد ما إذا كانت الالتزامات قد نُفذت، وهو ما يضاعف أهمية وضوح المعايير وعدم إخضاعها لتوازنات سياسية تتغير من مرحلة إلى أخرى.

تجربة تفتح الطريق أم تصبح سقفه؟

الخطر الأكبر في هذه المرحلة ليس فشل التجربة، إنما نجاحها جزئيًا ثم تجميدها عند هذا الحد. فقد تنسحب إسرائيل من رقعة محدودة، وينتشر الجيش فيها، ثم يتحول هذا الإنجاز إلى دليل تستخدمه واشنطن على تقدم الاتفاق، فيما يبقى الجزء الأكبر من الأراضي المحتلة خارج أي جدول زمني محدد.

لذلك، لا ينبغي أن يُقاس نجاح روما ببدء التنفيذ خلال أيام، إنما بثلاثة معايير أكثر صرامة: تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع انتشار الجيش، وخضوع الطرفين لآلية تحقق متوازنة، ووضع جدول زمني واضح للانتقال من المنطقتين التجريبيتين إلى بقية الأراضي.

من دون هذه المعايير الثلاثة مجتمعة، يمكن أن تتحول "المناطق التجريبية" من مدخل إلى الانسحاب الكامل إلى جزر محدودة من السيادة داخل واقع احتلال طويل الأمد.

ليست المشكلة في أن يبدأ الحل من منطقتين، فكل مسار معقد يحتاج إلى نقطة انطلاق. المشكلة تبدأ حين تتحول النقطة الأولى إلى بديل من الطريق كله. عدالة معادلة روما لن تتحدد بعدد القرى الداخلة في التجربة، إنما بما إذا كان نجاح الدولة سيؤدي تلقائيًا إلى انسحاب إسرائيلي إضافي، أم سيُطلب من لبنان في كل مرحلة تقديم امتحان جديد، فيما يبقى الاحتلال قائمًا بانتظار النتائج.