في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشتّت فيه القلوب بين ضجيج الحياة ومطالبها، وفي عالمٍ يزداد فيه الإنسان عطشًا إلى المعنى، يطلّ علينا كتاب جديد بعنوان "همس الكلمة"، هو ثمرة لقاءٍ فريد بين الفكر والروح، بين اللاهوت الذي يقدّمه الأب الدكتور بشارة إيليا، واللغة الأدبيّة التي تحملها الدكتورة يولا عازار.
هذا العمل المشترك يجمع بين الأب بشارة إيليا، الكاهن واللاهوتيّ المعروف بعمق كتاباته الروحيّة، وبين الكاتبة والشاعرة يولا عازار، ليقدّما للقارئ نصًّا واحدًا ينبض بالحياة، ويعكس تكاملًا نادرًا بين التعليم العقائديّ واللغة الأدبيّة.
إنّه عمل لا يقوم على التكرار أو التوازي، بل على التكامل: الأب بشارة حمل إلى هذا الكتاب خبرته الطويلة في التعليم والوعظ والكتابة، فوضع الأساس العقائديّ واللاهوتيّ الذي يضيء على سرّ المسيح والقيامة، ومنح النصوص وضوحًا وثباتًا في فهم الرسالة، أمّا يولا عازار فقد صاغت هذه الرؤية اللاهوتيّة بأسلوب شعريّ وتأمّليّ يجعلها قريبة من القلب، حيّة في الصلاة، وفاعلة في الحياة اليوميّة. وهكذا وُلد نصّ واحد يتنفّس ويخاطب القلب كما يخاطب العقل، ويتيح للقارئ أن يجد نفسه فيه لا كمتلقٍّ فقط، بل كشريك في المسيرة.
وقد أضاء الأباتي أنطوان راجح في توطئته التي حملت عنوان "تخمير المعارف الواسعة"على البعد الفكريّ والروحيّ لمؤلَّف "همس الكلمة" ، مبيّنًا أنّ الأمر يتعلّق بـــ"تخمير" الفكر اللاهوتيّ مع أشكال المعرفة الأخرى: الفلسفة، الأدب، الفنون، الرياضيّات، الفيزياء، التاريخ، العلوم القانونيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، بما يخالج الوجدان الحيّ، معتبرًا أنّ الروح هو الذي يمنح الإيمان الحياة، وبدونه يصبح الإيمان مجرّد عقيدة، والنشاط الرعويّ مجرّد عمل. أمّا مع الروح القدس فالإيمان يتحوّل إلى حياة، إلى حبّ يولّد الرجاء مجدّدًا. وقد استشهد الأباتي بقول القدّيس غريغوريوس الكبير: "الكتاب المقدّس ينمو مع الذين يقرؤونه"، ليؤكّد أنّ الكلمة ليست شيئًا متحجّرًا، بل واقع حيّ يتطوّر وينمو مع المؤمنين الذين يتفاعلون معها بروح الحقّ، وأنّها تدخل في أحداث العمر المتغيّرة من دون أن تستنفد معانيها. كما ذكّرنا بما ذهب إليه القدّيس يوحنّا هنري نيومان من كون المسيحيّة واقعًا ديناميكيًّا حيًّا، يتطوّر بقوّة داخليّة حيويّة، وأنّ القراءة والتأمّل لا يعفيان من التطبيق العمليّ لوصيّة الإنجيل: "احفظ الوديعة". فالكنيسة هي الموطن الطبيعيّ للكتاب المقدّس، وهو يجد فيها بيئته الحيّة، حيث يتحوّل الوحي إلى حوار، يتحدّث فيه الله إلى البشر كأصدقاء، ويأتي للقائهم في حياتهم اليوميّة.
بهذا التوجّه، رأى الأباتي أنّ الكاتبين قد نجحا في إنتاج فكرٍ روحيّ في أجواء كنسيّة مباركة، بعيدًا من أيّ تبسيط أو انغلاق، فكانا أمينين في حفظ الوديعة وتقديم قراءة لعالم اليوم. لم يقدّما وجهات نظر عابرة، بل رؤى تنطلق من النصّ وتبحر فيه، لتوسّع الفهم وتغني الآفاق، وتؤكّد أنّ الكلمة الإلهيّة حيّة، متجدّدة، قادرة أن تفتح الكنيسة على رسالتها نحو الجميع.
إنّ قيمة هذا الكتاب لا تكمن في كونه إضافة إلى المكتبة الروحيّة فحسب، بل في كونه رفيقًا روحيًّا يرافق القارئ و"يهمس" له، ويفتح أمامه نافذة جديدة على الإنجيل، لا بوصفه نصًّا محفوظًا في الذاكرة أو طقسًا يُمارَس في الكنيسة، بل كخبرة حيّة تتجدّد في تفاصيل اليوم.
إنّه يعلّمنا أنّ "همس" الله ليس بعيدًا من واقعنا، بل قادر أن يدخل في أبسط المواقف وأكثرها تعقيدًا: في طريقة تعاملنا مع الآخر، وفي قراراتنا الصغيرة والكبيرة، وفي نظرتنا إلى الألم والرجاء، وفي سعينا إلى العدالة والمحبّة. فالكتاب لا يقدّم وصفًا نظريًّا للإيمان، بل يضع بين أيدينا منهجًا عمليًّا يجعل من كلّ يوم فرصة للعيش بحسب تعاليم المسيح، بحيث يصبح الإنجيل مدرسة يوميّة للحياة، يفتح أمامنا طريق الغفران والمشاركة والصبر والنهضة من جديد، ويذكّرنا بأنّ القيامة ليست حدثًا يُحتفل به مرّة في السنة، بل مسيرة يوميّة تُعاش، حيث تتحوّل الكلمة إلى فعل، والإيمان إلى شهادة، والرجاء إلى أسلوب حياة.
إنّ تكامل الأب الدكتور بشارة إيليا والدكتورة يولا عازار في هذا الكتاب، يقدّم نموذجًا لما يمكن أن يولّده اللقاء بين اللاهوت والشعر، بين التعليم والتأمّل، بين العقل والوجدان. هو كتاب يفتح أمامنا أبواب القيامة والحياة الجديدة، ويذكّرنا بأنّ كلمة الله ليست بعيدة منّا، بل قريبة، تسكن في تفاصيل يومنا، وتدعونا إلى أن نعيشها بفرحٍ ورجاء.