لم تُغلق الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما ملف "المناطق التجريبية"، لكنها نقلته إلى طاولة أوسع: مفاوضات تقنية موسّعة يُفترض أن تفضي إلى اتفاق شامل. وبين إعلان التوافق على هيكلية العمل في تلك المناطق وبدء التنفيذ الفعلي، تفتح تطورات الأسبوع الأخير سؤالًا لم يعد نظريًا: أي نظام أمني سيحكم الجنوب بعد الانسحاب، ومن يضع قواعده ويحدد الجهات التي تراقب تطبيقه؟
يكتسب هذا السؤال إلحاحًا مضاعفًا مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بصيغتها الحالية نهاية العام، ودخول أوروبا على خط ترتيبات المرحلة التالية. فما كان حتى وقت قريب استحقاقًا بعيدًا، تحوّل خلال أيام إلى نقاش عملي حول البديل، بعدما اقترح وزير الخارجية الألماني دراسة نشر قوة بتفويض من الاتحاد الأوروبي لمنع حدوث فراغ أمني خلال مرحلة الانسحاب التدريجي للقوة الأممية.
يضاف الاقتراح الألماني إلى تصور أوروبي سابق لمهمة مدنية وعسكرية تتولى تدريب الجيش وقوى الأمن ودعمهما في أمن الحدود والمرافئ، من دون أن تكون بديلًا مباشرًا من "اليونيفيل". كما أنّه يأتي في وقت لا يزال الاتحاد الأوروبي يتحدث عن ضرورة استمرار الحضور الأممي بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل" بصيغتها الحالية، ما يعني أن الصيغة النهائية لم تُحسم، وأن أكثر من تصور يتنافس على رسم المرحلة المقبلة.
هنا تكمن المفارقة اللبنانية. فالدولة مطالبة بإنهاء ازدواجية السلاح وبسط سلطتها، لكن تنفيذ هذا الهدف قد ينشئ تعددية جديدة في المرجعيات الخارجية: الجيش يتولى الأرض، وأوروبا التدريب، والأمم المتحدة توفر المرجعية الدولية، والولايات المتحدة تدير التنسيق، فيما تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بدور في تقدير كفاية الضمانات قبل الانسحاب. فهل تكون هذه المنظومة جسرًا لاستعادة الدولة، أم إطارًا جديدًا لإدارة سيادتها من الخارج؟
روما لم تناقش الانسحاب وحده
بات واضحًا أن مفاوضات روما لم تكن، كما بدت في عناوين الأخبار، جولة أخرى من المساومة على توقيت الانسحاب الإسرائيلي. فـ"المناطق التجريبية" التي جرى التوافق على هيكليتها تبدو نموذجًا مصغّرًا لما يراد تعميمه لاحقًا: انسحاب إسرائيلي، يعقبه دخول الجيش اللبناني، ثم التحقق من خلو المنطقة من السلاح، ومنع أي عودة لـ"حزب الله" إليها. غير أن الاختبار الحقيقي لا يتعلق بقدرة الجيش على الانتشار فقط، وإنما بالجهة التي ستقرر أن المنطقة أصبحت آمنة وأن شروط توسيع الانسحاب تحققت.
بعبارة أخرى، لم تعد المفاوضات تبحث في مكان انتشار الجيش بعد الانسحاب فحسب، وإنما تختبر تدريجيًا ملامح منظومة أمنية أوسع لما بعد "اليونيفيل". فإذا كانت الولايات المتحدة تدير التنسيق، وإسرائيل تربط خروجها بمنع عودة "حزب الله"، فإن الدولة لا تتسلم الأرض وفق حق سيادي غير مشروط، وإنما عبر عملية تحقق متدرجة. والخطر ليس في وجود الرقابة بحد ذاتها، فالاتفاقات الأمنية تحتاج إلى ضمانات، وإنما في أن تصبح الآلية مرجعية أعلى من الدولة. عندها لا يعود السؤال ما إذا كان الجيش قد انتشر، وإنما ما إذا كانت إسرائيل والجهات الراعية قد اقتنعت بأن انتشاره يحقق المطلوب.
نهاية "اليونيفيل" تفتح معركة البديل
أعطى الطرح الألماني النقاش بعدًا جديدًا، لأنه يتجاوز في وظيفته ونطاقه التصور الأوروبي السابق. ففي حين كان الحديث يدور حول مهمة لتدريب الجيش وقوى الأمن الداخلي وتقديم المشورة إليهما، ينتقل المقترح الجديد إلى البحث في قوة ذات تفويض أوروبي يمكن أن تؤدي دورًا ميدانيًا بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل" بصيغتها الحالية، وتساعد على منع الفراغ وتسهيل الانسحاب الإسرائيلي ومنع عودة "حزب الله" إلى المواقع التي تخليها إسرائيل.
غير أن هذا الطرح لا يمثل قرارًا أوروبيًا، ولا يطابق تصور الخدمة الدبلوماسية الأوروبية لمهمة تمتد ثلاث سنوات، وتتركز على التدريب والاستشارة وأمن الحدود والمرافئ وتعزيز قوى الأمن الداخلي. وبين التصورين مسافة واسعة لم تُحسم: هل يكون البديل قوة أوروبية مسلحة منتشرة على الأرض، أم مهمة تدريب ومراقبة محدودة الصلاحيات، أم حضورًا أمميًا معدّلًا، أم مزيجًا من هذه العناصر؟
إن دلّ هذا الغموض على شيء، فعلى أننا لسنا أمام مشروع جاهز ينتظر التوقيع، وإنما أمام سباق مبكر لتحديد شكل الأمن في جنوب لبنان. ومن شأن تعدد التصورات المطروحة أن يفتح نقاشًا لبنانيًا بين التمسك بمظلة أممية توفر شرعية دولية واضحة نسبيًا، وبين الرهان على قوة أوروبية قد تكون أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة، لكنها تطرح أسئلة مختلفة حول التفويض والصلاحيات والمرجعية.
دولة واحدة ومرجعيات متعددة
عمليًا، تكشف المقترحات الأوروبية عن إعادة توزيع محتملة لوظائف الأمن داخل الدولة: الجيش للانتشار في الجنوب وضبط الحدود والسلاح، وقوى الأمن الداخلي للمهمات الداخلية، والأوروبيون للتدريب والتجهيز والمراقبة التقنية، والأميركيون للتنسيق مع إسرائيل، وقوة دولية أو أممية لتثبيت المرحلة الانتقالية.
يترافق ذلك مع زيادة الدعم الأوروبي للجيش، بما في ذلك حزمة بقيمة مئة مليون يورو أُقرت في حزيران لمساعدته على الانتشار وتنفيذ القرار 1701. والهدف المعلن لهذه الترتيبات هو تمكين الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها، لا إنشاء سلطة موازية لها.
لا يتعارض هذا التوزيع من حيث المبدأ مع بناء الدولة، وقد يصحح خللًا جعل الجيش يؤدي مهمات تفوق قدراته. لكن المشكلة تبدأ عندما ترتبط كل وظيفة بمظلة خارجية مختلفة، فيتحول توحيد القرار الأمني داخليًا إلى شبكة من الشروط والمانحين والمراقبين. فالدولة تستعيد قوتها حين تمتلك المؤسسات والموارد والقرار، لا حين تتولى التنفيذ فيما يبقى تحديد الأولويات والتقييم في الخارج.
الأمن اللبناني في موسم الانتخابات الإسرائيلية
يضاف إلى هذا التعقيد عامل زمني إسرائيلي مع حل الكنيست ودخول تل أبيب مرحلة انتخابية تسبق اقتراع 27 تشرين الأول. لا يعني ذلك أن موعد الاقتراع سيحدد تلقائيًا توقيت الانسحاب، لكنه يجعل كل خطوة في الجنوب جزءًا من حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسيه. فالانسحاب يمكن أن يُقدَّم تنازلًا تحت الضغط، كما يمكن تسويقه إنجازًا إذا سبقه نزع للسلاح وضمان دولي يمنع عودة "حزب الله".
لهذا قد تصبح إسرائيل أكثر تشددًا في تعريف النجاح داخل "المناطق التجريبية"، أو أكثر تمسكًا بقوة دولية تمنح انسحابها غطاءً يمكن الدفاع عنه أمام الناخبين. صحيح أن العامل الانتخابي لا يلغي دور روما أو الضغط الأميركي، لكنه قد يفسر لماذا تتقدم الترتيبات التقنية أسرع من الانسحاب الفعلي: نتنياهو يحتاج إلى ضمانات قابلة للتسويق، وواشنطن إلى إنجاز قابل للتثبيت، ولبنان إلى أرض تُستعاد لا إلى مسار مفتوح من الاختبارات.
من يكتب التفويض قبل أن يبدأ التنفيذ؟
بين هذه المسارات المتوازية، يبقى السؤال اللبناني الأهم معلّقًا: من يحدد مسبقًا مرجعية القوة البديلة وصلاحياتها ومدتها وقواعد عملها وعلاقتها بالجيش، قبل أن تتحول من أداة لإنهاء الاحتلال إلى شرط دائم يؤجل أي انسحاب جديد؟
هذه ليست تفاصيل قانونية لاحقة، لأن شكل التفويض سيحدد معنى السيادة التي يستعيدها لبنان. فقوة تساعد الجيش ثم تنسحب تختلف عن قوة يصبح رضاها شرطًا لممارسة الدولة صلاحياتها، تمامًا كما أن حضورًا دوليًا يضمن خروج إسرائيل يختلف عن وجود يُستخدم لتبرير استمرارها إلى أن تكتمل شروط أمنية لا سقف واضحًا لها.
المشكلة الحقيقية ليست في حاجة لبنان إلى دعم خارجي لإعادة بناء جيشه وإنهاء الاحتلال، فهذه حاجة قائمة لا خلاف حولها. المشكلة تبدأ حين تتوزع وظائف الدولة وحدود انتشارها ومعايير نجاحها بين أكثر من جهة دولية، فيما لا يعرف اللبنانيون بعد من يملك القرار النهائي بينها جميعًا. لذلك، لا ينحصر السؤال بمن سيخلف "اليونيفيل"، وإنما بأي صورة ستتبلور الدولة اللبنانية بعد انتهاء مهمتها، ومن سيكتب فعليًا عقيدتها الأمنية.


















































