في كيَّانِيَّةِ هَذا العالَمِ المُطَّرِدِ، لبنانُ وَحيدٌ، إلَّا في العالَمِ الَذي خَلَقَهُ والَذي لا يُنسيهِ الواقِعَ. وَلبنانُ مِن عالَمِ الواقِعِ... وَلَيسَ مِنهُ.
لِأجلِهِ، عاشَ وَحيداً.
وِحدَتُهُ، مِعنى القُدرَةِ وَعِنايَتُها. هيَ طَلَّةَ العالَمِ عَلى حَقيقَةِ الوَعي، والعالَمُ لا يَبغي الوَعي. أيَنتَهي بِهِ المِطافُ، هَذا الُلبنانُ، بِإدراكِ أنَّ العالَمَ المُكتَظَّ بِالأُمَمِ والشُعوبِ والأوطانِ غَريبٌ في وِحدَتِهِ، وَوَحيدٌ في غُربَتِهِ؟ لبنانُ ألْفَرَحُهُ مِن ذاتِهِ لا يَخشى غُربَةَ العالَمِ، لِأنَّ حَقيقَتَهُ مِن ذاتِهِ، والعالَمُ غَريبٌ مُتَغَرِّبٌ عَنِ الحَقيقَةِ: كُلُّ حَقيقَةٍ وَكُلُّ الحَقيقَةِ. والحَقيقَةُ واحِدَةٌ، وَلبنانُ واحِدٌ. العالَمُ أسيرُ مُعتَقَلٍ كَبيرٍ رَصَفَهُ لِنَفسِهِ، وَلبنانُ حُرٌّ. دائِماً مُلكُ ذاتِهِ لا مَليكَ وَهمٍ. فَرَحُهُ، هَذا الُلبنانُ أنَّهُ يَعرِفُ مَن يَكونُ، وَكُلُّ الآخَرينَ... نَكِرَةٌ مُتَنَكِّرونَ ناكِرونَ.
هَل يَخيبُ ظَنُّهُ بِنَفسِهِ؟ حاشى!
لِمَ؟ لِأَنَّهُ الإمتِحانُ!
هوَ كَشفُ حَقيقَتِهِ... وَتَجَوهُرُها. فَهَل مِن سامِعٍ؟
"جَميعُ الكَنعانِيِّينَ والصَيدونِيِّينَ والحَوِيِّينَ المُقيمينَ بِجَبَلِ لبنانَ، مِن جَبَلِ بَعلِ حَرَمونَ إلى مَدخَلِ حَماةِ. لَم يَكونوا إلَّا لِإمتِحانِ إسْرائيلَ بِهِمِ، هَل يَسمَعونَ لِوَصايا الرَبِّ الَتي أوصى بِها آباءَهُمُ عَلى لِسانِ موسى. (...). صَنَعَ بَنو إسْرائيلَ الشَرَّ في عَينَي الرَبِّ، وَنَسوا الرَبَّ إلَهَهُمِ (...). فَغَضِبَ الرَبُّ عَلى إسْرائيلَ." (سِفرُ القُضاةِ 3/3-7.4-8).
يا لِبَأسِ حُكمِ الرَبِّ، لِمَن هوَ نَكِرَةُ العالَمِ في العالَمِ. نَكِرَةُ حَقيقَةِ لبنانَ الإمتِحانِ!
الحُكمُ قالَهُ. الحُكمُ كَرَّرَهُ لِإشَعياءَ نَبِيِّهِ:
"غَلَظَ قَلبُ هَذا الشَعبِ وَثَقَلَ أُذُنَيهِ وَأغمَضَ عَيّنَيهِ لِئَلَّا يُبصِرَ بِعَيّنَيهِ وَيَسمَعَ بِأُذُنَيهِ وَيَفهَمَ بِقَلبِهِ وَيَرجِعَ فيَشفى. فَقُلتُ: إلى مَتى أيُّها السَيِّدُ؟ قالَ: إلى أن تَصيرَ المُدُنُ خَراباً بِغَيرِ ساكِنٍ، والبُيوتُ بِغَيرِ إنسانٍ، الأرضُ خَراباً مُقفِراً. وَيُقصيَ الرَبُّ البَشَرَ وَتَبقى في الأرضِ وِحشَةٌ عَظيمَةٌ." (إشَعياءُ 6/10-12).
أجَل! في إنكِسارِ الناكِرينَ المُتَنَكِّرينَ، لبنانُ الإمتِحانُ لا خَطرَةٌ، لا عَبَثٌ، لا غَطرَسَةٌ. بَل كِيانِيَّةُ القِيامَةِ. قَبلَهُ لا قَيامَةَ. بِهِ، القِيامَةُ حَقيقَةُ كِفايَةِ العالَمِ: كُلُّ عالَمٍ، وَكُلُّ العالَمِ.
هوَ كِفايَةُ السَلامِ بِجَسَدِهِ الذُروَةِ.
هُنا. في "صِرفَتَ الَتي لِصَيدونَ". ها نَبيُّ الرَبِّ أيلِيَّا "صَرَخَ إلى الرَبِّ وَقالَ: أيُّها الرَبُّ إلَهي، أإلى الأرمَلَةِ الَتي أنا نَزيلٌ عِندَها تُسيءُ أيضاً وَتُميتُ إبنَها؟ وَإنبَسَطَ عَلى الوَلَدِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَصَرَخَ إلى الرَبِّ: أيُّها الرَبُّ إلَهي، لِتَعُد روحُ الوَلَدِ إلى جَوفِهِ. فَسَمِعَ الرَبُّ لِصَوتِ إيلِيَّا وَعادَت روحُ الوَلَدِ إلى جَوفِهِ وَعادَ إلى الحَياةِ. فَأخَذَ إيلِيَّا الوَلَدَ وَأنزَلَهُ مِنَ العِلِيَّةِ إلى البَيتِ، وَسَلَّمَهُ إلى أُمِّهِ وَقالَ: أُنظُري، إبنُكِ حَيٌّ. فَقالَتِ المَرأةُ لِإيلِيَّا: الآنَ أدرَكتُ أنَّكَ رَجُلُ اللهِ، وَأنَّ كَلامَ الرَبِّ في فَمِكَ حَقٌّ." (سِفرُ المُلوكِ الأَوَّلُ 17/9. 20-24).
أجَل! لبنانُ الجَسَدُ الذُروَةُ، أولى القِيامَةِ، هوَ.
شَهادَتُها هوَ.
هوَ مُكَرِّسُ كَلامَ الرَبِّ بِ"الحَقِّ" لِمَن يَنطِقُ بِهِ.
إشَعياءُ النَبيُّ عَينُهُ يُعلِنُ حُكمَ الرَبِّ: "ألَيسَ عَمَّا قَليلَ يَتَحَوَّلُ لبنانُ جَنَّةً والجَنَّةُ تُحسَبُ غاباً؟ في ذَلِكَ الَيومَ يَسمَعُ الصُمُّ أقوالَ الكِتابِ وَتُبصِرُ عُيونُ العُميانِ بَعدَ الدَيْجورِ والظَلامِ. (...) لِأنَّ الظالِمَ قَدِ إنقَرَضَ (...) وَإستؤصِلَ جَميعُ الَذينَ يَسهَرونَ لِأجلِ الإثمِ، الَذينَ (...) يَنصُبونَ الفَخَّ لِمَن يَحكُمُ عِندَ البابِ وَيَستَميلونَ البارَّ بِأباطيلِهِمِ." (إشَعياءُ 29/17-21).
أجَل!
لبنانُ إمتِحانُ العالَمِ. قِيامَتُهُ. وَلا جَسَدانِيَّةَ لِلعالَمِ تَقومُ إلَّا بِروحِهِ. بِهِ-واقِعُ-الحَقِّ.