ماذا يعني أن تترك الدولة مواطنيها في مواجهة آلة همجية تدميرية شطبت من قاموسها كل ما له صلة بـ"​حقوق الإنسان​"؟ وماذا يعني أن يتجاهل مجتمع دولي إبادةً عنصرية تُنفَّذ بواسطة ​الذكاء الاصطناعي​؟ ومن المسؤول عن هذا الانفلات التكنولوجي على حساب القيم والأخلاق الإنسانية؟ أسئلة بديهية يطرحها المواطنون الجنوبيون، نازحين كانوا أم صامدين في قرى الشريط الحدودي وبلداته.

ثمة مكوّن من الشعب بات المفتاح في الجيب رمزاً لتاريخ هوى مع سقوط أعمدة المنزل بصاروخ من مقاتلة إسرائيلية هدفها مواجهة "عدو" مدني أعزل. وثمة مكوّن آخر من الشعب يواجه عدواً متغطرساً يمارس الدمار الشامل، وهو أعزل من السلاح.

وقد انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي صور لبلدة ​بنت جبيل​ على وقع آلة الدمار الإسرائيلية، فبدت البلدة معلماً جاهلياً تسببت به حضارة معاصرة بلا ضمير. وباتت مفاتيح المنازل كل ما تبقى لدى المواطنين النازحين بعدما تهدّمت بيوتهم بضربات إسرائيلية.

وبنت جبيل رمز للمأساة اللبنانية، غير أن عشرات الآلاف من اللبنانيين دُمِّرت منازلهم في مئات البلدات والقرى، فيما الصوت الطاغي على المشهد هو صوت "شخير الضمير العالمي".

وهذه حصيلة جولتَين من الحرب خاضتهما إسرائيل مع "​حزب الله​" بين العامَين 2023 و2026، دمّرتا عشرات البلدات والقرى بشكل شبه كامل. وتمنع إسرائيل سكان المناطق التي تسيطر عليها من العودة، فيما يعوّل كثيرون منهم على الصور لتبيّن مصير منازلهم. وفي المقابل، يقوم كثيرون من سكان مناطق لم تدخلها القوات الإسرائيلية بتفقّدها لفترة وجيزة دون العودة للإقامة فيها راهناً.

وتُشكّل الممارسات الإسرائيلية المذكورة إبادةً جماعية، وهي تُعرَّف بأنها "التدمير المقصود، الكلي أو الجزئي، لجماعة قومية أو عرقية أو دينية". وتنص المادة الثانية على خمسة أعمال تستوجب العقوبة. وقد ظل هذا الحكم المتعلق بتعريف ​الإبادة الجماعية​ قائماً مع مرور الزمن، وعلى الرغم من الدعوات إلى توسيع نطاقه، ورد من دون أي تعديل في صكوك من بينها ميثاقا المحكمتَين المخصصتَين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا، وميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية.

ولا يمكن تفسير هذا الرفض المتعنت لتعديل التعريف بمجرد موقف متحفظ متأصّل في عملية التشريع الدولي. وعلى النقيض من ذلك، فإن الفجوات الناجمة عن التعريف الضيق نسبياً للإبادة الجماعية في اتفاقية عام 1948 قد سُدَّت بصورة مُرضية نسبياً عبر التوسع في تعريف الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية خلال التسعينات، في حين لا تزال هذه الجرائم قائمة بل يتسع نطاقها، وبات لبنان اليوم ملعبها.

ويؤكد بعض النازحين اللبنانيين أن "فكرة عدم الاستطاعة على الدخول إلى القرية أو البيت تؤلم كثيراً". وثمة من احتفظوا بمفاتيح لبيوتهم التي لم تعد قائمة، وينظر إلى علاقة الناس بالمفاتيح بوصفها رمزاً للبيت والذاكرة.

وبين النازحين من يراوده الهاجس: ماذا حلّ ببيته؟ هل قُصف؟ وكيف ستتغير علاقته بمفتاحه؟ وهل سيصبح اللبنانيون "الفلسطينيين الجدد"؟ في إشارة إلى المفاتيح التي حملها مئات الآلاف من الفلسطينيين بعد تهجيرهم إلى الشتات إثر قيام إسرائيل عام 1948، وأصبحت رابطهم وتذكارهم الوحيد من بيوتهم التي اندثرت.

وفي هذا الإطار، قالت المصممة والباحثة في السرد البصري ​سما بيضون​ (29 عاماً) لـ"وكالة الصحافة الفرنسية" إنها رأت منزل جدها للمرة الأخيرة عام 2025 قبل أن يُدمَّر. وأضافت: "أذكر كم جمع هذا البيت أشخاصاً، وكيف كبرت عائلتي فيه، وكم عاصر من أجيال وشهد الحياة تتغير. في كل يوم أحد كنا نجتمع ونتناول الوجبة نفسها على الغداء". وختمت: "كانت الحياة بسيطة جداً، ولكنها كانت جميلة جداً".

وفي المقلب الآخر وجه آخر من المعاناة. فقد صدر عن "​أطباء بلا حدود​" في حزيران الماضي بيان حول عزل القرى ​جنوب لبنان​ جاء فيه: "على مدى أشهر، عانت قرى رميش ودبل وعين إبل في جنوب لبنان من عواقب العمليات العسكرية الإسرائيلية والهجمات المتكررة واستمرار القيود على حرية التنقل. تبعد هذه القرى بضعة كيلومترات عن الحدود الجنوبية، وقد عانى سكانها من الحصار طوال فترة الحرب وحُرموا من الخدمات الأساسية، فيما واجهوا قيوداً شديدة أعاقت قدرتهم على التنقل بأمان والحصول على أبسط ضرورات الحياة".

وفيما هُجِّر قسراً معظم سكان المناطق الحدودية بسبب أوامر الإخلاء الإسرائيلية، ظلت هذه القرى مأهولة إذ بقيت العائلات على الرغم من الهجمات والدمار واسع النطاق والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية. وتطغى على المشهد هناك الشوارع المتضررة والبنية التحتية المدمّرة، فيما أدت أشهر من الهجمات والقيود إلى عزل هذه القرى، مما أجبر آلاف السكان على مواصلة حياتهم اليومية في ظل وصول محدود إلى الرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية.

وفي القرى الثلاث تعرّضت البنية التحتية للمياه لأضرار بالغة أو باتت غير صالحة للاستخدام، فيما آخذة في الارتفاع التكاليفُ التي تتحملها العائلات لتأمين المياه، وتواجه الفئات الأشد حاجة ومنهم كبار السن عقبات إضافية لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وإلى جانب ​أزمة المياه​، ثمة محدودية في الوصول إلى الرعاية الصحية وتزايد في احتياجات الصحة النفسية وارتفاع في تكاليف المعيشة وتدهور في الظروف المعيشية.

وأفاد السكان بارتفاع مستويات القلق والتوتر بعد أشهر من انعدام الأمن والعزلة، فيما تواصل المرافق الصحية المحلية عملها في ظل قيود شديدة. والمرضى الذين يحتاجون إلى دخول المستشفى بصورة طارئة أو إلى رعاية متخصصة واجهوا تأخيرات بلغت 72 ساعة أو أكثر في انتظار الموافقة على الإحالة الطبية. كما رصد العاملون في مجال الرعاية الصحية حالاتٍ تسبّب فيها تأخير النقل بعواقب مهدِّدة للحياة، مما يؤكد الحاجة الملحّة إلى الوصول الفوري إلى الرعاية الطبية الطارئة ومسارات الإحالة الفعالة.

غير أن "شخير الضمير العالمي" يطغى الآن على كل شيء.