تتجه الأنظار إلى اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس لأنه سيحمل حلولاً نهائية للملف الجنوبي، بل لأنه قد يحدد إطار المرحلة المقبلة. فحتى لو خرج اللقاء بإعلانات حول دعم الجيش اللبناني أو توسيع تجربة "المناطق النموذجية"، يبقى السؤال: هل نحن أمام بداية مسار تنفيذي طويل، أم أمام مبادرة جديدة ستضاف إلى سلسلة المبادرات غير المكتملة؟
التطور الأبرز في الساعات الأخيرة هو انتقال فكرة "المناطق النموذجية" من التداول السياسي إلى خطوات ميدانية تشمل فرون وصريفا وزوطر الغربية. ولا تكمن أهمية هذه القرى في ذاتها، بل في توقيت الإعلان عنها بالتزامن مع زيارة واشنطن، بما يوحي بمحاولة تقديم نموذج عملي يمكن البناء عليه سياسياً، بدلاً من الاكتفاء بالوعود.
في المقابل، جاءت الرسائل المنقولة عن أوساط حزب الله، ومفادها أن "عون سيعود من واشنطن كما ذهب"، كمحاولة استباقية لنزع أي زخم عن الزيارة، والتأكيد أن التفاهمات المحتملة لن تغيّر المعادلات القائمة. لكن هذا السجال يكشف أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول ثلاث بلدات، بل حول السابقة التي قد تؤسس لها التجربة. فإذا نجحت في منطقة محدودة، قد تتحول إلى نموذج قابل للتوسع تدريجياً، وهو ما يفسر الحساسية السياسية المحيطة بها.
لكن القراءة الأعمق تتعلق بطبيعة الجغرافيا التي يدور حولها النقاش، إذ لا ترتبط المسألة بالخط الأزرق (الحدود الدولية بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000)، بل بما يُعرف بالخط الأصفر، أي نطاق الانتشار والاحتكاك الذي نشأ بعد الحرب الأخيرة. وهذا يعني أن أي انسحاب أو إعادة انتشار لن يكون خطوة واحدة، بل مساراً تدريجياً تحكمه تفاهمات أمنية وميدانية معقدة. ومن هذه الزاوية، تبدو المقارنة مع القرار 425 منطقية من حيث الزمن لا من حيث الظروف، فالقرار صدر عام 1978 لكنه احتاج أكثر من عقدين حتى نُفذ بالكامل. وإذا كان المسار الحالي يعالج واقعاً أمنياً أكثر تعقيداً، فمن الصعب توقع إنجازه خلال أشهر، حتى مع وجود إرادة سياسية ودعم دولي.
كما أن التجربة اللبنانية مع المبادرات الأميركية تشير إلى أن واشنطن تنجح غالباً في إطلاق المسارات السياسية أكثر من نجاحها في ضمان سرعة تنفيذها، لأن التطبيق يبقى رهناً بتوازنات الأطراف المحلية والإقليمية. لذلك، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً اعتماد مسار طويل يقوم على مناطق نموذجية متتالية، تتخلله مراحل تفاوض واختبارات ميدانية وتوقفات متكررة، بدلاً من تسوية شاملة وسريعة.
موضوعياً، لا يمكن الحكم على تجربة المناطق النموذجية بأنها إيجابية أو سلبية بحد ذاتها، بل بالنتائج التي ستفضي إليها. فإذا أصبحت مدخلاً لانسحاب إسرائيلي تدريجي واضح ومحدد، وانتشار للجيش اللبناني، واستعادة الدولة حضورها من دون تكريس وقائع جديدة، فقد تشكل فرصة حقيقية للبنان، حتى لو استغرق تنفيذها فترة قد يراها البعض طويلة (سنتين أو ثلاث). أما إذا تحولت إلى مرحلة انتقالية بلا سقف زمني واضح، تؤجل معالجة قضايا الاحتلال والسيادة، فستغدو نسخة جديدة من تجارب طويلة الأمد، كما حدث مع القرار 425.
لذلك، لن يكون المعيار الحقيقي نجاح إطلاق التجربة، بل وجود جدول زمني واضح يربط كل مرحلة بخطوة تنفيذية مقابلة. فالتدرج ليس المشكلة، إنما تحوله إلى حالة دائمة تكتفي بإدارة الأزمة بدلاً من حلها. مع الإشارة إلى أن جوهر نجاح أي خطوة يكمن في عودة الأهالي إلى المناطق، ما يتطلب إعادة إعمار سريعة، لأن المناطق من دون أهلها تبقى فارغة من أي مضمون أو نتيجة، وتدعم رغبة إسرائيل في تحقيق أحد أهدافها التي تحدث عنها كثير من المسؤولين، لجهة إقامة مناطق عازلة، ولو عبر تواجد جيش لبناني بدلاً من الجيش الإسرائيلي.