تتجه الأنظار السبت إلى الصرح البطريركي في الديمان، حيث تحتفل الكنيسة المارونية رسميًا بتطويب البطريرك الياس الحويك، في محطة تُعد من أبرز الأحداث الكنسية والوطنية في تاريخها الحديث. فالاحتفال لا يقتصر على إعلان رجل كنيسة طوباويًا، بل يستحضر أيضًا شخصية ارتبط اسمها بقيام لبنان الكبير، وبالدفاع عن الإنسان خلال سنوات المجاعة، وبإرث روحي لا يزال حاضرًا بعد نحو قرن على وفاته.
التطويب... محطة ليست نهاية الطريق
ومع اقتراب هذا الاحتفال، يبرز سؤال يطرحه كثيرون: ماذا بعد التطويب؟ وهل أصبح الطريق إلى إعلان القداسة مفتوحًا، أم أن المسار لا يزال يحتاج إلى سنوات وإجراءات كنسية دقيقة؟
وفي حديث لـ"النشرة"، يوضح المسؤول عن دعوى تطويب البطريرك الحويك، المطران حنا علوان، أن دعوى إعلان القداسة مرت بمراحل متتالية، مشيرًا إلى أن الملف انقسم إلى قسمين أساسيين. ويشير إلى أن المرحلة الأولى كانت مرتبطة بإعلان البطريرك الحويك "مكرمًا"، بعدما تأكدت الكنيسة من أنه عاش الفضائل المسيحية بصورة بطولية، فيما ارتبطت المرحلة الثانية بإعلانه "طوباويًا" بعد الاعتراف بأعجوبة تمت بشفاعته.
ويشرح علوان أن الكنيسة لا تعتمد في مثل هذه الملفات على الانطباعات أو الشهادات الشعبية وحدها، بل تخضع كل حالة لتحقيقات دقيقة تبدأ بلجنة طبية تدرس الملف من الناحية العلمية، ثم تنتقل إلى اللجنة اللاهوتية، وبعدها إلى لجنة الكرادلة والأساقفة، قبل أن تُرفع إلى البابا الذي يتخذ القرار النهائي.
ويضيف أن الأعجوبة المنسوبة إلى شفاعة البطريرك الحويك اجتازت جميع هذه المراحل في الفاتيكان، وصولًا إلى موافقة البابا على إعلانه طوباويًا، وتكليف الكاردينال مارشيلو سيميرارو بتمثيله في احتفال التطويب.
شهادة عائلية: الحويك آمن بلبنان
وبدوره، يؤكد حفيد شقيق البطريرك الحويك، ميشال الحويك، لـ"النشرة" أن العائلة لم تدرك في البداية حجم هذه المسيرة الكنسية، قائلًا: "لم نكن نعرف قيمة هذا الأمر إلى أن وصلنا إليه، وهذا الحدث مهم ليس للعائلة فقط، بل للبنان كله ولكل الطوائف". ويضيف أن البطريرك الحويك "كان يؤمن بلبنان لا بالطوائف، وكان يدافع عن جميع اللبنانيين، حتى إنه زكّى الشيخ محمد الجسر لرئاسة الجمهورية، رغم أنه كان مسلمًا سنيًا، لأن ما كان يعنيه هو مصلحة الوطن".
كيف يُعلن الطوباوي قديسًا؟
تُعد دعوى إعلان القداسة في الكنيسة الكاثوليكية من أكثر المسارات دقة، إذ لا يعني التطويب نهاية الدعوى، بل بداية مرحلة جديدة. فلكي يُعلن الطوباوي قديسًا، لا بد من الاعتراف بأعجوبة جديدة حصلت بعد التطويب، على أن تخضع بدورها للمسار الطبي واللاهوتي نفسه.
ويؤكد علوان أن "هذا التطويب مهم لكل الكنيسة، لأن الطوباوي يصبح مثالًا يُحتذى به، لكن إعلان القداسة يحتاج إلى أعجوبة جديدة"، مضيفًا أن الكنيسة تدعو المؤمنين إلى الاقتداء بسيرة الطوباويين والقديسين باعتبارهم شهودًا للإيمان.
إرث وطني يتجاوز الدور الكنسي
لا تنبع أهمية البطريرك الحويك من مكانته الكنسية فحسب، بل من دوره في تاريخ لبنان. فقد قاد الكنيسة المارونية بين 1899 و1931، في مرحلة شهدت الحرب العالمية الأولى والمجاعة الكبرى وانهيار السلطنة العثمانية، كما ارتبط اسمه بالمطالبة بقيام دولة لبنان الكبير، وشارك في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 مدافعًا عن حق اللبنانيين في دولة مستقلة.
ويشير علوان إلى أن الحويك لم يكن رجل سياسة بالمعنى التقليدي، بل راعيًا حمل هموم شعبه، مذكرًا بأنه فتح أبواب الديمان أمام المحتاجين خلال المجاعة، وعاش حياة اتسمت بالفقر والتواضع، وترك في كتاباته ورسائله تأكيدًا دائمًا على محبة الكنيسة ومحبة الوطن.
الذخائر والجثمان... ماذا بعد التطويب؟
وعن المرحلة المقبلة، يوضح أن التطويب يسمح بإقامة كنائس تحمل اسم الطوباوي داخل لبنان، فيما يتيح إعلان القداسة مستقبلًا تشييد كنائس باسمه في مختلف أنحاء العالم، في خطوة تعكس انتقال تكريمه من الإطار المحلي إلى الكنيسة الجامعة.
أما في ما يتعلق بالذخائر، فيلفت علوان إلى وجود جزء بسيط من عظام الطوباوي، فيما لا يزال جثمانه محفوظًا في مدفن راهبات العائلة المقدسة في عبرين. ويؤكد أنه لا توجد نية حاليًا لعرض الجثمان أمام المؤمنين، مشيرًا إلى أن زيارة الضريح متاحة للراغبين، فيما يبقى موضوع فتح القبر مرتبطًا بمراحل لاحقة إذا أُعلنت قداسته.
ويكشف ميشال الحويك أن أفراد العائلة كانوا حاضرين خلال الكشف على الجثمان في دير راهبات العائلة المقدسة في عبرين، موضحًا أن فريقًا طبيًا متخصصًا قدم من روما وأجرى الكشف عليه وفق معايير علمية دقيقة، في إطار الإجراءات التي رافقت ملف التطويب.
رسالة الحويك... محبة الوطن أولاً
وفي ختام حديثه، يشدد علوان على أن رسالة البطريرك الحويك لا تختصرها دعوى التطويب، بل تتجسد في المبادئ التي تركها قبل وفاته، وفي مقدمها "محبة الوطن"، معتبرًا أن هذه الوصية تبقى الأكثر تعبيرًا عن مسيرته الروحية والوطنية.
وبينما يستعد الصرح البطريركي في الديمان للاحتفال بتطويب البطريرك الحويك، لا يقتصر الحدث على تكريم شخصية كنسية بارزة، بل يشكل أيضًا مناسبة لإعادة إحياء إرث أحد أبرز وكباررجالات لبنان الحديث. فالرجل الذي جمع بين القيادة الروحية والدفاع عن الإنسان والتمسك بقيام الدولة، يواصل حضوره اليوم من خلال رسالة تتجاوز حدود التاريخ، وتدعو اللبنانيين إلى التمسك بالإيمان، وخدمة الإنسان، ومحبة الوطن، فيما تبقى أعجوبة جديدة وحدها كفيلة بفتح الباب أمام المرحلة الأخيرة من مسيرة إعلان قداسته.
























































