لبنانيٌّ هوَ؟ لا!
قَد لا يَكونُ قَرأ عَنهُ. لَكِنَّهُ يَعرِفُ رَمزَهُ: الفينيقُ المُنبَسِطُ الجَناحَينِ فَوقَ حَصرِيَّةِ الكَينونَةِ، يَنهَضُ أبَداً مِن رَمادِهِ. مُتَفَوِّقاً؟ لا بَل مُنتَصِراً عَلى الوَعي، التَعَبِ، الضَجَرِ، الَلهوِ، التَمويهِ... الفَناءِ. في مُخاطَرَتِهِ بِالمَوتِ لِلتَغَلُّبِ عَلى المَوتِ، مِن داخِلِ الداخِلِ، سِرُّ سُكونِهِ، كِفايَتِهِ، بُطولَتِهِ.
يا لِقُدرَتِهِ، حينَ لا أحَدَ يَحسِبُ لَهُ حِساباً في عَوالِمَ دَهاءِ الخُبثِ وأنانِيَّاتِ التَغَطرُسِ وَلَذائِذَ الفَراغِ... مِنَ الأفرادِ الى الأُمَمِ!
قَد لا يَكونُ يُدرِكُ كُلَّ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ خَتَمَهُ هَذا الفينيقُ الُلبنانيُّ وَشماً مُعانِقاً أعلى كَتِفَيهِ، عَلامَةً دَهرِيَّةً في الجَسَدِ وَلِلجَسَدِ، في الروحِ وَلِلروحِ. مُتعالِياً؟ لا بَل مُفاخِراً أنَّه إلَيهِ وَمِنهُ، ضابِطاً الكُلَّ بِذاتِيَّتِهِ، مِلءِ المِلءِ. وَما إكتَفى بِهِ في الذُرى، بَل دَوَّنَ تَحتَهُ بِلُغَتِهِ هوَ:Tú intentas, Tú te equivocas, Tú te levantas ، وَتَرجَمَتُها: "أنتَ تُحاوِل، أنَتَ تَتَعثَّرُ، أنتَ قُمّ!" أهوَ نَشيدُ القيامَةِ؟ بَل وَتَتويجُ الفينيقِ الُلبنانيِّ رَمزَ المَسيحِ القائِمِ مِنَ المَوتِ، بِكرَ الخَليقَةِ الجَديدَةِ بِهِ وَذُرى جَوهَرِها... عَلى ما عَلَّمَ مُعَلِّمو الكَنيسَةِ وَأحبارٌ مَنها، وَعَلى رأسِهِمِ القِدّيسُ كليمَنضُسُ الرومانيُّ (نَحوَ سَنَةِ 96)، ثُمَّ تَبِعَهُ تِرتُليانُسُ وَأوريجانُسُ، الى أُمبروسيوسُ وَإيسيدورُ الإشبيليُّ...
مِن إشبيليا الى فالِنسيا...
هوَ الفالِنسيانيُّ يَعرِفُ أنَّ إقليمَ فالِنسيا، الواقِعَ عَلى الساحِلِ الشَرقيِّ لِإسبانيا أسَّسَهُ القرطاجِيُّونَ القادِمونَ مِن صوَر لِيَكونَ مُلتَقىً حَضارِيَّاً لِلتَبادُلِ بَينَ صورَ والإيبيريِّينَ سُكَّانِ إسبانيا الأصليِّينَ، وَلِلتَثاقُفِ بَينَ الشَرقِ الُلبنانيِّ-الفينيقيِّ والغَربِ. وَقَد دَمَّرَه لاحِقاً الرومانُ نَحوَ سَنَةِ 138 ق. م. وَحَوَّلوهُ الى مُستَوطَنَةِValentia Edetanorum لِلجُنودِ المُسَرَّحينَ مِنَ الحَمَلاتِ.
هوَ الفالِنسيانيُّ يَعرِفُ، لِذَلِكَ وَشَمَ تَحتَ الفينيقِ الهائِلِ مُصارِعاً يَحمِلُ في يَدٍ دِرعاً، وَفي الأُخرى رايَةً. وَلَكِنْ بَينَهُما وَشمانِ هُما الرابِطانِ الأساسِيَّانِ: القَلبُ-الحَدسُ وَإلى جانِبِهِ بِالإنكليزِيَّةِ: Faith الإيمانُ، والعَقلُ-التَحليلُ وَإلى جانِبِهِ بِالإنكليزِيَّةِ: Gratitude الإمتِنانُ. وَفي أسفَلِ ظَهرِهِ، في قَعرِ هاوِيَةِ الإدراكِ، وَشَمَ بِاللاتينِيَّةِ لُغَةَ تَسَلُّطِ إمبراطورِيَّةِ القُوَّةِ-الزيفِ، شِعارَهُ لِدَحرِها: VENI, VIDI, VICIأتَيتُ، رَأيتُ، إنتَصَرتُ.
طَفْحُ الإيمانِ
هوَ الفالِنسيانيُّ يَعرِفُ لبنانَ مِن قِيمَةِ قِيَمِهِ: القيامَةُ ألْمِنهُ وَفيهِ. لبنانُ اللايُخادِعُ بِالإغراءِ، بَل طَفْحُ الإيمانِ وَوجودِيَّةُ الحَياةِ-الأبَدِ. قُلّ: إنحِيازُ الحَقيقَةِ الى ذاتِها، في الجَسَدِ كَما في الروحِ، وَلا قيامَةَ لِلروحِ-الإيمانِ كَما لِلجَسَدِ-الإمتِنانِ إلَّا بِهِ-القُوَّةُ-الحَقُّ.
مِن دونِهِ، هَذا الطَفْحُ خِداعُ تَهويلِ السُلُطاتِ... الفانياتِ، وَتَحامُلُ مُحاباةِ الغُرورِ... المُبطِلَةِ.
هوَ Ferran Torres، مُهدي مَوطِنِهِ كأسَ العالَمِ في كُرَةِ القَدَمِ بِهَدَفِهِ الذَهَبيِّ، هَدَفِ البُطولَةِ الوَحيدِ، طالِعٌ مِن هَذا الُلبنانَ الَذي وَشَمَهُ إقرارَ بَعثٍ عَلى ظَهرِهِ، مُضيفاً إلَيهِ عَلامَةَ طَفْحِ الإيمانِ آلْصارَهُ عَلى صورَتِهِ كَمِثالِهِ، وَجَوهَرِيَّتُهُ عَيناهُ هوَ تَنظُرانِ وَتَشهَدانِ، وَبِلُغَتِهِ: "وَإنْ كانَ أحَدٌ مِنكُمُ تَنقُصُهُ الحِكمَةُ فَليَطلُبها عِندَ اللهِ يُعطِها... فَليَطلُبها بِإيمانٍ مِن غَيرِ أنْ يَرتابَ... طوبى لِلرَجُلِ الَذي يَحتَمِلُ التَجرِبَةَ! لِأنَّهُ سَيَخرُجُ مُزكىً فَيَنالَ إكليلَ الحَياةِ الَذي وَعَدَ بِهِ مَن يُحِبّونَهُ." (رِسالَةُ يَعقوبَ 1/5-12).
أتِلكَ كَونِيَّةُ كَينونَةِ لبنانَ-الفينيقِ؟ أتِلكَ مَسيحانِيَّتُهُ؟
ذاكَ لبنانُ. ما سِواهُ باطِلُ الأباطيلِ. بَصيرَةُ الخَليقَةِ وَنَشيدُ مَجدِ الخالِقِ: إقرارٌ واحِدٌ رَصَّعَهُ خَتماً بِالروحِ وَوَشماً بِالجَسَدِ عِشرينيٌّ إسبانِيٌّ عَلى ظَهرِهِ، كَمَن يَحمِلُ صَليبَهُ صُعوداً الى قيامِيَّتِهِ وَقيامِيَّةِ العالَمِ؟
هوَ الأكثَرُ لُبنانِيَّةً مِن أكثَرِ حامِلي إسمِ لبنانَ هَوِيَّةً.
هوَ الُلبنانِيُّ! أجَل!