يقوم المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل على معادلة تبدو، للوهلة الأولى، واضحة: انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب مقابل "تحقق" من نزع سلاح "حزب الله". لكن التدقيق في تفاصيل هذه المعادلة يقود إلى سؤال لم تُجب عنه الوثائق المعلنة حتى الآن: من يتحقق، وكيف؟
هذه الفجوة، التي بدت في البداية تفصيلًا إجرائيًا يمكن تأجيله، تحوّلت مع حادثة تلال علي الطاهر إلى اختبار فعلي لموازين القوة في تفسير الاتفاق، وللجهة التي تملك تحويل روايتها الميدانية إلى سبب لوقف الانسحاب أو تأخيره.
فقد اتهمت إسرائيل "حزب الله" بإطلاق مسيّرة مفخخة على آلية عسكرية إسرائيلية قرب تلال علي الطاهر، ووصفت الحادث بأنه "خرق خطير" لاتفاق وقف إطلاق النار، فيما لم يصدر عن الحزب بيان يتبنى العملية، ونُقل عن مصدر فيه نفي غير مباشر للمسؤولية، من خلال تأكيده أن الحزب يعلن عملياته حين ينفذها.
بين الروايتين، لم تظهر نتيجة تحقيق مستقل تحدد مصدر المسيّرة أو ملابسات إطلاقها. كما أن الحادث وقع داخل أرض لبنانية لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، ما أضاف إلى الخلاف سؤالًا آخر: هل يمكن لإسرائيل أن تعتبر نشاطًا وقع في منطقة لم تنسحب منها دليلًا على تقصير لبنان، ثم تستخدمه لتبرير استمرار وجودها في المنطقة نفسها؟
التحقق بوصفه شرط الانسحاب
لا يقوم اتفاق الإطار على وقف إطلاق نار بسيط، وإنما على تدرّج مترابط بين خطوات لبنانية في حصر السلاح وإعادة انتشار إسرائيلية تدريجية خارج الأراضي اللبنانية. وهذا يعني عمليًا أن وتيرة الانسحاب لا يحدّدها جدول زمني مستقل، وإنما تقييم يؤكد أن نزع السلاح تحقق في المنطقة المعنية.
لكنّ المشكلة أن الإطار، رغم إسناده الإشراف العام إلى مجموعة تنسيق بمشاركة أميركية، لم يسمِّ الطرف الثالث الذي سيجري التحقق تحديدًا، ولم يضع آليته أو معاييره. وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، ينص الاتفاق على أن يتحقق طرف ثالث من نزع السلاح بما يتيح للجيش الإسرائيلي إعادة الانتشار تدريجيًا خارج الأراضي اللبنانية، لكن هذا الطرف وآلية عمله لم يُحددا بعد.
ولعلّ المفارقة أن وجود جهة تتولى الإشراف العام لا يعوّض غياب جهة محددة تتولى التحقق، لأن مراقبة سير العملية ليست بالضرورة صلاحية لإصدار حكم فني وملزم بشأن موقع بعينه. كما أن تسجيل الانتهاكات أو تبادل الشكاوى لا يعني تلقائيًا امتلاك صلاحية تحديد ما إذا كان لبنان قد استوفى الشرط الذي يوجب على إسرائيل الانسحاب.
تزداد أهمية هذه المسألة لأن اتفاق الإطار لا يتضمن، وفق المعلومات المنشورة، جدولًا زمنيًا ملزمًا للانسحاب أو لنزع السلاح. وبذلك يصبح التحقق نفسه هو الساعة التي تضبط مسار التنفيذ، إذ لا تبدأ الخطوة الإسرائيلية التالية في تاريخ محدد، وإنما بعد إعلان إنجاز الخطوة اللبنانية السابقة. وبالتالي، فإنّ من يملك إصدار هذا الإعلان أو تعطيله يملك، عمليًا، التحكم بالجدول كله.
جهة ثالثة لم تُسمَّ وآلية لم تُكتب
وفق التسريبات الصحفية، ثمّة معطيات متداولة عن لجنة إشراف موسّعة تضم الجيش اللبناني وضباطًا أميركيين، لكن الصلاحيات لم تُوزع بوضوح بين أطرافها، كما لم توضع آلية معلنة لتبادل المعلومات أو تحديد الأدلة التي يمكن اعتمادها.
كذلك لم يُحسم المعيار الذي يجعل موقعًا ما "خاليًا من السلاح": هل يكفي انتشار الجيش وتفتيش المنشآت المعروفة، أم يتطلب الأمر الوصول إلى كل موقع تشتبه إسرائيل في استخدامه، ولو استند الاشتباه إلى معلومات استخبارية لا يستطيع الجانب اللبناني فحصها بصورة مستقلة؟
تفتح هذه الأسئلة خلافًا إضافيًا يتعلق بطبيعة الأدلة. فقد تقدم إسرائيل صورًا جوية أو إحداثيات أو معلومات استخبارية وتطلب التعامل معها بوصفها دليلًا كافيًا، فيما قد يرى الجيش اللبناني أن بعضها غير قابل للتحقق أو أن الوصول إلى الموقع مستحيل بسبب استمرار الوجود الإسرائيلي أو الألغام والذخائر غير المنفجرة. كما قد تعترض إسرائيل على إعلان منطقة ما خالية من السلاح استنادًا إلى معلومات لا تكشف مصدرها أو طريقة جمعها.
ولذلك، يمكن القول إن غياب هذا الإطار ليس ثغرة تقنية عابرة، لأنه يترك لكل طرف مساحة واسعة لقراءة الوقائع الميدانية بما يخدم موقفه التفاوضي. وقد يستطيع الجيش اللبناني إعلان إنجاز مهمته داخل منطقة معينة، فيما ترفض إسرائيل النتيجة بذريعة وجود مواقع أو أسلحة لم تُكشف. وهكذا يمتد الخلاف من تقييم الوضع الأمني إلى تحديد ما إذا كان الاستحقاق المقابل، أي الانسحاب الإسرائيلي، قد أصبح واجب التنفيذ أصلًا.
من يحقق في الخرق؟
تكشف حادثة علي الطاهر عن ثغرة تختلف عن التحقق من نزع السلاح، رغم ارتباطها به. فالتأكد من خلو منطقة من الأسلحة مهمة مخطط لها مسبقًا، أما التحقيق في حادث أمني فيتطلب جمع الأدلة وفحص بقايا المسيّرة وتحديد مسارها ومصدر إطلاقها.
لا توجد، حتى الآن، إشارة إلى جهة مستقلة أجرت هذه الخطوات. إسرائيل هي التي أعلنت تعرض آليتها للهجوم، وهي التي تسيطر على موقع الحادث أو محيطه، ما يمنحها عمليًا إمكان الوصول إلى الحطام والبيانات المرتبطة به. في المقابل، لا يملك الجيش اللبناني وصولًا مستقلًا ومعلنًا إلى مسرح الواقعة
يؤدي هذا الوضع إلى اختلال واضح في عبء الإثبات. فإسرائيل تقدم الادعاء وتحتفظ بالأدلة وتحدد وصف الواقعة، فيما يجد لبنان نفسه مطالبًا بدحض رواية لا يملك أدوات فحصها. كما أن عدم تبني "حزب الله" العملية لا يكفي وحده لنفيها، تمامًا كما أن الاتهام الإسرائيلي لا يكفي لإثباتها. الفجوة بين الأمرين هي المكان الذي يفترض أن تشغله آلية التحقيق المستقل.
تزداد الإشكالية تعقيدًا لأن تلال علي الطاهر ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي. فإذا كان انتشار الجيش اللبناني فيها متعذرًا، يصبح من الصعب تحميل الدولة مسؤولية منع كل نشاط يجري داخلها. وإذا اعتُبر الحادث دليلًا على أن المنطقة ليست آمنة للانسحاب، تنشأ حلقة مغلقة: إسرائيل لا تنسحب لأن لبنان لم يفرض سيطرته، ولبنان لا يستطيع فرض سيطرته لأن إسرائيل لم تنسحب.
فيتو إسرائيلي مفتوح
في ظل هذا الفراغ، تحظى إسرائيل بأفضلية واضحة في إنتاج الرواية الأولى وتسويقها دوليًا، فيما يفتقر لبنان إلى آلية موازية تستطيع فحص الوقائع وإصدار نتيجة رسمية ملزمة. ولا ينتج هذا التفاوت فقط من القوة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، وإنما من تصميم المسار نفسه، الذي ربط الانسحاب بـ"نزع متحقق منه" من دون استكمال تعريف الجهة التي تمنح هذا التحقق صفته التنفيذية.
النتيجة العملية أن أي وقف أو تأخير للانسحاب يمكن تبريره بذريعة عدم ثبوت نزع السلاح أو وقوع خرق أمني جديد، من دون أن يمتلك لبنان أداة إجرائية سريعة لدحض الادعاء. هكذا، لا يعود المطلوب من الدولة اللبنانية تنفيذ التزاماتها فحسب، وإنما إثبات تنفيذها، فيما تستطيع إسرائيل إبقاء الانسحاب معلقًا إلى أن تقتنع بالنتيجة.
يزيد من هذا الاختلال أن إثبات وجود سلاح أسهل من إثبات غيابه. فقد تكفي صورة أو معلومة استخبارية لتقول إسرائيل إن المنطقة لم تُنزع منها الأسلحة، بينما يحتاج لبنان إلى إثبات عدم وجود أي مخزن أو نفق غير مكتشف فيها. ومع غياب مرجعية مستقلة، يتحول هذا المعيار إلى اختبار مفتوح تستطيع إسرائيل إعادة طرحه كلما اقترب موعد انسحاب جديد.
من هنا، يحتاج سد هذه الفجوة إلى مسارين متكاملين: جهة تتحقق ميدانيًا من نزع السلاح وفق معايير ومهل محددة، ومرجعية تفصل في الخروقات الطارئة بعد سماع روايتي الطرفين وفحص الأدلة. كما يحتاج كلا المسارين إلى تحديد القيمة التنفيذية للنتيجة وآلية الاعتراض عليها.
ما الذي ينبغي أن تحسمه روما؟
مع اقتراب جولة روما المقررة في الرابع من آب، تتجه الأنظار غالبًا إلى توسيع "المناطق التجريبية" أو تسريع جدول الانسحاب، بعدما أظهر تطبيق المرحلة الأولى في زوطر الغربية بطء الانتقال من التفاهم السياسي إلى التنفيذ الميداني.
لكن حادثة علي الطاهر تكشف أن زيادة عدد المناطق لن تحل المشكلة وحدها، لأن الخلاف قد يتكرر في كل منطقة جديدة ما دامت قواعد الإثبات ومرجعية الفصل غير محسومتين. وقد يصبح الاعتراض على موقع واحد سببًا لتعليق الانسحاب من نطاق أوسع.
لذلك، يتجاوز المطلوب في روما الاتفاق على أسماء القرى أو ترتيب مراحل الانسحاب. فالمفاوضات تحتاج إلى تحديد الجهة المخولة إعلان إنجاز نزع السلاح، ونوعية الأدلة المقبولة، والمهلة المخصصة للتحقق، إضافة إلى الجهة التي تحقق في الخروقات المفاجئة والأثر الذي ترتبه نتائج التحقيق على الانسحاب.
كما ينبغي حسم ما إذا كان الاعتراض الإسرائيلي يوقف الانسحاب تلقائيًا، وما إذا كان الخرق يعلّق الانسحاب من المنطقة التي وقع فيها فقط أو يسمح بتجميد الخطة كلها، وكيف يُتعامل مع حادث يقع في أرض لا تزال إسرائيل تحتلها ولا يستطيع الجيش اللبناني دخولها.
هذه التفاصيل تحدد من يملك تشغيل الاتفاق ومن يملك تعطيله. وبين توسيع خريطة المناطق التجريبية وضبط مرجعية التحقق، تمثل الثانية المدخل الأكثر إلحاحًا إلى تفاهم قابل للتنفيذ، وإلى منع تحوّل كل حادث غير محقق فيه إلى فيتو إسرائيلي جديد على الانسحاب.























































