حدّدت الحكومة ​العراق​ية الجديدة برئاسة ​علي الزيدي​ يوم الثلاثين من أيلول المقبل، موعدًا نهائيًا لتسليم سلاح الفصائل والميليشيات المسلحة كافة، وحصر الوجود العسكري في العراق بيد القوى الرسمية والشرعية. وهذا التطوّر يفوق ما جرى اتخاذه في ​لبنان​ في الخامس من آب من العام 2025 من قرارات حكومية ترمي إلى حصر السلاح بيد الدولة فقط. ماذا في تفاصيل المقارنة بين الخطتين؟

الخطة العراقية الإلزامية وضعت تاريخًا محددًا لنزع السلاح غير الشرعي هو 30 أيلول 2026، أي أنها تنتهي بعد شهرين فقط. ونصّت الخطة على ضرورة التزام المجموعات المسلحة كافة بتسليم مختلف الأسلحة المتوسطة والثقيلة. وقد وضعت الحكومة العراقية الجديدة التشكيلات المسلحة أمام خيارين: إما تسليم السلاح بالكامل أو الاندماج التام في مؤسسات الدولة الرسمية. وأعلنت الأمانة العامة للمجلس الوزاري أن أي سلاح يبقى خارج نطاق المنظومة الأمنية الرسمية بعد هذا التاريخ، سيُعامل بكونهسلاحًا خارجًا على القانون. إلى ذلك، جرى تشكيل لجنة حكومية عليا لمتابعة هذا الموضوع الحسّاس، وللعمل على فك ارتباط الفصائل المُسلّحة بما يسمّى "الهيئة العامة للحشد الشعبي". حتى أنّ الخطة العراقية أتاحت للمواطنين العراقيين الراغبين في تنظيم وحصر أسلحتهم الشخصيةتعبئة استمارة إلكترونية مُخصّصة لتنظيم الأسلحة الفردية.

بالانتقال إلى لبنان تتكون خطة حصر السلاح بيد الدولة التي أعدها الجيش اللبناني، والمعروفة باسم خطة "درع الوطن"، من خمس مراحل زمنية وجغرافية متتالية. وقد انطلقت المرحلة الأولى المُخصّصة لجنوب ​نهر الليطاني​ في أيلول 2025 واستمرّت حتى نهاية تشرين الثاني من العام نفسه. وبدأت المرحلة الثانية التي تمتدّ من نهر الليطاني إلى نهر الأوّلي مطلع العام 2026، مع تحديد أربعة أشهر قابلة للتمديد لإنجازها. وتشمل المرحلة الثالثة العاصمة بيروت ومحيطها، وهي تُركّز على نزع السلاح في العاصمة وضواحيها نظرًا لحساسيتها السياسية، في حين تطالالمرحلة الرابعة منطقة البقاع، وهي تستهدف ضبط السلاح ومكافحة شبكات التهريب في البقاع. أمّا المرحلة الخامسةوالختامية المُخصّصة لمنطقة الشمال وسائر المناطق، فهي ترمي إلى بسط سيادة الدولة الكاملة على ما تبقى من أراضٍ. والجدير بالذكر أن الخطة اللبنانية لحصر السلاح لم تضع مهلًا زمنية صارمة للمراحل المتقدمة (الثالثة والرابعة والخامسة)، حيث تركتها مفتوحة زمنيًا، إذ تتأثّربالإمكانات اللوجستية المتاحة والتطورات الميدانية وحجم العراقيل، إلخ.

بالعودة إلى العراق، انقسمت الفصائل أمام قرار الحكومة والمهلة المحددة، حيث أعلنت قوى بارزة مثل "​عصائب أهل الحق​"، و"​كتائب الإمام علي​"، و"​سرايا السلام​" امتثالها للقرار، وبدأت فعليًا بالتنسيق مع اللجنة المركزية الحكومية لتفكيك أجنحتها العسكرية والتحوّإلى العمل السياسي والمدني. في المقابل، جدّدت فصائل عدّة، من أبرزها "كتائب ​حزب الله​ العراقي" و"​حركة النجباء​،" رفضها المطلق للتخلي عن السلاح. وشدّدت على أنّ سلاحها "خط أحمر" مرتبط بملفات إقليمية وسيادية ولا يخضع للمساومة.

في لبنان، وصفت قيادات "حزب الله" قرار السلطة اللبنانية بحصر السلاح بأنه "مولود ميت" واتهموا الحكومة بارتكاب خطيئة كبرى تخدم الأجندات الخارجية. وأكّد أمين عام "حزب الله" ​الشيخ نعيم قاسم​ وباقي قيادات الحزب، أنّسلاح المقاومة خط أحمر ولا يمكن تسليمه أو القبول بمبادرات نزعه، مع رفض البحث في هذا الملف طالما أن إسرائيل تشكل تهديدًا للبنان. من جهة أخرى، تجاهلت أغلبية الفصائل الفلسطينية المسألة وكأن الأمر لا يعنيها، واكتفت قلّة منها بإجراء عمليات تسليم فولكلورية لبعض الأسلحة التي لا قيمة عملانية لها.

والبارز أنّ الحكومة العراقية أكّدت خُضوع الأسلحة غير المنظمة وغير المرخصة إلى ملاحقات قضائية مشددة بمجرّد انتهاء المهلة الموضوعة، بموجب قانون الأسلحة العراقي وقانون العقوبات. وفي هذا السياق، يُعاقب المخالف الذي يقتني أسلحة خفيفة من دون ترخيص بالحبس لمدة سنة مع دفع غرامات مالية. أمّا حيازة المدافع، أو القاذفات الصاروخية، أو الرشاشات الثقيلة فتُعرّض صاحبها لإحالة قضائية تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد. وفي الوقت الذي تتوعد فيه الحكومة العراقية بالتعامل الصارم والحازم مع المخالفين والرافضين لتسليم سلاحهم، تتضمّن الخطة سلسلة من التدابير المتدرّجة والتي تشمل تصنيف أفعال المتمرّدين بالإرهابيّة، وتطبيق الأحكام القانونية القصوى بحقهم، وتحريك الأجهزة الأمنية لملاحقتهم، وتجميد حساباتهم المالية ومصادرة مقرّاتهم، إلخ. واللافت أنّ بغدادبدأت بتنفيذ خطط لتطهير الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية من العناصر أو الولاءات التابعة للميليشيات الرافضة لتسليم السلاح.

أمّا في لبنان، تُنظَّم المخالفات أساسًا بموجب قانون العقوبات وقانون الأسلحة والذخائر، مع اختصاص للمحكمة العسكرية في عدد من الجرائم المرتبطة بحيازة الأسلحة بصورة غير مشروعة، وتتفاوت العقوبات تبعًا لطبيعة السلاح، ونوعية المخالفة، إلخ. لكن لم تحدد خطة الحكومة اللبنانية التفصيلية لحصر السلاح عقوبات جديدة خاصة بالخطة، بل أحالت توقيف المخالفين ومنع العمليات العسكرية إلى القوانين والأنظمة المرعية الإجراء وقانون الأسلحة والذخائر النافذ. وطلبت الحكومة من الأجهزة العسكرية والأمنية توقيف المخالفين ومنع إطلاق الصواريخ أو المسيّرات استنادًا إلى القوانين اللبنانية المعمول بها. واتسمت خطة الجيش لحصر السلاح بالسرية والتقدير العملياتي الممنوح للقيادة العسكرية من دون الإعلان عن بنود عقابية إضافية خارج إطار الملاحقة القانونية المعتادة للعمل العسكري غير الشرعي.

في الخلاصة، خطة العراق لحصر السلاح غير الشرعي واضحة المعالم، وتُحدّد مهلًا زمنية قصيرة للتطبيق، وتضع لائحة بالعقوبات لردع المخالفين. وجدّية الحكومة العراقية في ملاحقة الفاسدين وسارقي الأموال العامة تدعو إلى التفاؤل في ما يخص سحب السلاح، على الرغم من أنّ التطوّرات الأمنية المتلاحقة في المنطقة، لجهة انطلاق هجمات من أراضي العراق والرد عليها، قد تؤخّر حسم الموضوع. أمّا خطة لبنان لحصر السلاح غير الشرعي فمهلها مفتوحة، والعقوبات فيها مبهمة وغير مُطبّقة، وكلّ بنود الخطة تخضع لمساومات سياسية داخلية، ولحساسية طائفية ومذهبية، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن إمكان تطبيقها فعليًا، ويؤكّد أنّ العراق أفضل من لبنان بالنسبة إلى موضوع فرض هيبة الدولة!