يشهد لبنان حراكًا فلسطينيًا هو الأوسع منذ سنوات، في مشهد يعكس انتقال القيادة الفلسطينية إلى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب البيت الداخلي، بالتوازي مع المتغيرات التنظيمية التي شهدتها حركة "فتح" في الساحة اللبنانية، وانتخاب أعضاء لجنتها المركزية، في وقت تتقاطع فيه هذه التحركات مع تحديات سياسية وقانونية وأمنية تستهدف الوجود الفلسطيني ومؤسساته.
وتجلّى هذا الحراك في وصول وفود فلسطينية رفيعة من الداخل الفلسطيني إلى لبنان، ضمت عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" ياسر عباس، وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف، وأحمد مجدلاني، وأحمد أبو هولي، وعدد من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، في زيارة حملت أبعادًا تنظيمية ووطنية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتعكس اهتمام القيادة الفلسطينية بإعادة تنشيط المؤسسات الوطنية في الساحة اللبنانية.
المجلس الوطني
وتوزع الاهتمام الفلسطيني بين سلسلة اجتماعات مع المسؤولين اللبنانيين وبين اجتماعات عقدتها لجنة المتابعة الخاصة بانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، حيث ناقشت الخيارات المتاحة لاختيار ممثلي فلسطينيي لبنان في المجلس، في ظل تعذر إجراء انتخابات حرة ومباشرة بسبب التعقيدات السياسية واللوجستية.
وخلصت اللجنة إلى اعتماد صيغة "المجمع الانتخابي" باعتبارها الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، مع إقرار جدول زمني يقود إلى عقد المجمع الانتخابي خلال شهر تشرين الأول المقبل.
وعلمت النشرة أنه جرى التوافق على أهمية السعي لرفع عدد ممثلي الساحة اللبنانية في المجلس الوطني الفلسطيني، بعدما انخفض عدد المقاعد إلى 17 عضوًا، مقارنة بنحو 37 عضوًا في السابق، وهو ما كان يتناسب مع حجم التجمع الفلسطيني في لبنان.
الحركة الطلابية
وفي سياق استعادة المؤسسات الشعبية الفلسطينية لدورها، رعى الرئيس محمود عباس أعمال المؤتمر الوطني الحادي عشر للاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي انعقد تحت شعار: "جيل يحمل الثوابت... العودة... تقرير المصير... الاستقلال"، في خطوة تهدف إلى إعادة الحياة للحركة الطلابية الفلسطينية بعد عقود طويلة من الجمود والتوقف، وإعادة تفعيل أحد أهم الأطر الشبابية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
الأدباء ثم الصحافيون
كما يشهد الوسط الثقافي الفلسطيني استكمال مسار فصل اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين في لبنان عن اتحاد الصحافيين، وهي الخطوة التي قادها الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين مراد السوداني، وأسفرت عن تشكيل لجنة تحضيرية للإعداد لانتخابات اتحاد الكتّاب والأدباء المقررة في الثالث والعشرين من آب الجاري، على أن يعقبها التحضير لانتخابات اتحاد الصحافيين الفلسطينيين، في إطار إعادة هيكلة الاتحادات الشعبية والمهنية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وعلمت النشرة أن غالبية الفصائل الفلسطينية شاركت في أعمال اللجنة التحضيرية، بما فيها حركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والقيادة العامة، رغم مواقف بعضها المعارضة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على وجود إرادة وطنية لتوحيد الأطر النقابية والشعبية. في المقابل، بقيت حركة "حماس" خارج اللجنة، بعدما اعترضت على تشكيلها عبر رسالة وجهها القيادي رأفت مرة، ما أبقى هذا الملف خارج دائرة التوافق الوطني الكامل.
استهداف "الأونروا"
ولا يمكن فصل هذا الحراك الفلسطيني عن جملة من التطورات المتسارعة التي فرضت نفسها على المشهد الفلسطيني في لبنان، وأعادت ترتيب سلم الأولويات الوطنية.
في مقدمة هذه التطورات، التصعيد الأميركي ضد وكالة "الأونروا"، بعدما تقدم عضوا الكونغرس الأميركي، الجمهوري مايك لولر والديمقراطي جوش غوتهايمر، بمشروع قانون يدعو الإدارة الأميركية إلى إعداد خطة لإنهاء عمل الوكالة واستبدالها بجهات أخرى تقدم ما وصف بـ"المساعدات الإنسانية الحقيقية".
وأثار المشروع قلقًا واسعًا في أوساط اللاجئين الفلسطينيين والقوى الوطنية والشعبية، التي ترى أن استهداف "الأونروا" لا يقتصر على مؤسسة خدماتية، بل يطال الشاهد الدولي على قضية اللاجئين، ويستهدف أحد أهم مرتكزات الاعتراف الأممي بحق العودة.
أزمة مع الإدارة
أما التطور الثاني، فتمثل في اتساع رقعة الخلاف بين القوى الفلسطينية ومديرة "الأونروا" في لبنان دوروثي كلاوس، على خلفية تنظيمها جولة لوفد دبلوماسي دولي داخل مخيم عين الحلوة للاطلاع على أوضاع أربع مدارس تضررت خلال اشتباكات آب 2023، من دون تنسيق مسبق مع المرجعيات الفلسطينية. واعتبرت الفصائل الفلسطينية الخطوة تجاوزًا للأطر الوطنية والشعبية، وإصرارًا على تهميش المرجعيات التي تمثل اللاجئين داخل المخيمات.
قانون الإعلام اللبناني
أما التطور الثالث، فيرتبط بمناقشة مشروع قانون الإعلام الجديد في مجلس النواب اللبناني، ولا سيما المادة 63 التي تشترط أن يكون المدير المسؤول عن أي موقع إلكتروني إعلامي لبنانيًا ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية.
ويرى الإعلاميون الفلسطينيون أن هذا النص، في حال إقراره، سيحول دون استمرار عشرات المنصات الإعلامية الفلسطينية العاملة داخل المخيمات، وسيؤدي إلى إقصاء الكفاءات الفلسطينية عن إدارة مؤسساتها الإعلامية، رغم الدور الذي تؤديه في نقل قضايا اللاجئين والدفاع عن الرواية الفلسطينية.
تسليم السلاح
أما التطور الرابع، فيتصل باستكمال تنفيذ خطة تسليم السلاح الثقيل داخل المخيمات الفلسطينية، حيث سلمت حركة الانتفاضة الفلسطينية، برئاسة القيادي حسن زيدان، أسلحتها الثقيلة والمتوسطة إلى الجيش اللبناني داخل مخيم البداوي، في خطوة استكملت المسار الذي بدأته حركة "فتح" وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية خلال عام 2025.
وبين إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وإحياء الاتحادات الشعبية والنقابية، والاستعداد لإعادة تشكيل المجلس الوطني، تتزامن هذه التحركات مع تصاعد الضغوط التي تستهدف وكالة "الأونروا"، والحقوق المدنية للاجئين، والإعلام الفلسطيني، ما يجعل الساحة الفلسطينية في لبنان أمام مرحلة مفصلية تتجاوز هذا الإطار التنظيمي، لتتحول إلى محاولة شاملة لتعزيز وحدة الموقف الوطني، وصون المؤسسات الفلسطينية، ومواجهة الاستحقاقات السياسية التي تفرضها التطورات الإقليمية والدولية.