إنّ تسمية «والدة الإله» تحمل في مضمونها سرّ التدبير الإلهي الخلاصي للبشر. وهذه التسمية أتت ثمرةً لبشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم، إذ قال لها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ» (لوقا 1: 35).
وعبارة «ابن الله» تُفهَم هنا حصرًا بالمنطق الإلهي، أي إنّها تشير إلى طبيعة الرب يسوع المسيح الإلهية، الواحد في الجوهر مع الآب والروح القدس؛ فالآب والابن والروح القدس إلهٌ واحد.
من هنا نقول: ما كان قبل البشارة ليس هو ما صار بعد البشارة. فالبشارة هي محور علاقتنا بالعذراء مريم بصفتها والدة الإله؛ إذ إنّها لم تعد تُفهَم فقط في إطار كونها مريم العذراء، بل أصبحت، بسرّ التجسّد الإلهيّ، والدةَ الكلمة المتجسّد، الذي حلّ في أحشائها الطاهرة وولد منها إنسانًا كاملًا ما خلا الخطيئة، وبقي في الوقت عينه إلهًا كاملًا.
وبعد أن حلّ الروح القدس على العذراء مريم، امتلأت من الروح الإلهي، وأصبح حضورها يشعّ بنعمة الروح القدس. وهذا ما ظهر بصورة واضحة في لقائها بأليصابات؛ فبمجرّد أن دخلت مريم بيت زكريا وسلّمت على أليصابات، وما إن سمعت أليصابات سلام مريم، حتى ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس، وصرخت بصوت عظيم قائلة: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ" (لوقا 1: 39–45).
وهنا نرى بوضوح ثمرة حلول الروح القدس في العذراء مريم؛ فحضورها لم يكن حضورًا بشريًا عاديًا، بل صار حضورًا يحمل سرّ التجسّد ويشهد لعمل الله فيها. ومن هذا الحضور امتلأت أليصابات نفسها من الروح القدس، وانكشف لها، بنور الروح، سرّ مريم وسرّ الجنين الذي تحمله في أحشائها.
وهكذا، فإنّ حضور والدة الإله المملوء من نعمة الروح القدس، وسلامها وبركتها، صارا وسيلةً لانكشاف عمل الروح القدس في الآخرين.
وما أعلنه المجمع المسكوني الثالث في أفسس سنة 431م، من أنّ مريم العذراء هي «والدة الإله Theotokos»، ليس أمرًا مستحدثًا أو اختراعًا لاهوتيًا، بل هو إعلان وترجمة أمينة لحقيقة الإيمان بأنّ مريم ولدت يسوع المسيح، الإله المتجسّد.
وطبعًا، لا يعني قولنا إنّ مريم هي والدة الإله أنّها مصدر لاهوته؛ فاللاهوت أزلي وغير مولود من مريم. لكن الذي ولدته مريم بحسب الجسد هو نفسه الكلمة الأزلي، ابن الله، الذي تجسّد وصار إنسانًا. لذلك لا يمكن أن نقول إنّ مريم ولدت إنسانًا منفصلًا عن ألوهيّته، لأنّ يسوع المسيح ليس شخصين، بل شخص واحد، هو شخص الكلمة الأزلي، إله كامل وإنسان كامل.
وهكذا، فإنّ الرب يسوع المسيح يجمع في شخصه الواحد الطبيعة الإلهية الكاملة والطبيعة البشرية الكاملة، من دون أن تفقد أيٌّ منهما خصائصها.
ولهذا نؤمن بالمسيح أنّه مولود غير مخلوق؛ مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وليس مخلوقًا، ثم، في ملء الزمان، اتخذ جسدًا بشريًا حقيقيًا من العذراء مريم، وصار إنسانًا كاملًا من دون أن يتخلّى عن ألوهيته.
وهذا ما يعلنه القديس يوحنا الإنجيليّ بوضوح في إنجيله: «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا» (يوحنا 1: 14).
فالكلمة لم يبدأ وجوده عندما وُلد من مريم، بل هو الكلمة الأزلي الموجود منذ البدء؛ إنما الذي حدث في التجسّد هو أنّ الكلمة صار جسدًا واتخذ طبيعتنا البشرية، من دون أن يتغيّر في لاهوته أو يفقد ألوهيته.
في الخلاصة، أعطِنا يا رب أن يولد المسيح فينا، وأن نمتلئ من الروح القدس، حتى نحمله في قلوبنا وننقله إلى العالم من حولنا، قولًا وفعلًا، تبشيرًا وعملًا، وأن يكون حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا وعيشِنا.
إلى الرب نطلب.