في ظل التحولات القائمة على المستوى الإقليمي، كان العنوان الأبرز في الأيام الماضية الرسالة التي وجهها أمين عام "​حزب الله​" الشيخ ​نعيم قاسم​ إلى السلطة الانتقالية في دمشق، لناحية الاستعداد للحوار معها، بالرغم من النقاشات الواسعة التي أثارتها هذه الدعوة، سواء في صفوف جمهور الحزب أو على مستوى مواقف بعض الحلفاء الذين لديهم ملاحظاتهم على هذا الأمر، بسبب الأوضاع المرتبطة بالداخل السوري.

ما تقدم لا ينبغي أن يلغي موقف القيادة الجديدة في دمشق نفسها من مثل هذا الطرح، خصوصاً أنه لا يرتبط بوضعها الداخلي فقط، بل يتعلق أيضاً بالارتباطات الخارجية التي لديها مع العديد من الجهات الإقليمية والدولية، لا سيما أن رهانات الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ على تدخلها في الملف ال​لبنان​ي، تحت عنوان التعامل مع واقع الحزب كبديل عن إسرائيل، لا تزال حاضرة.

في هذا السياق، تشير مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن ما صدر عن الشيخ قاسم لا ينفصل عما يُطرح، منذ فترة ليست بالقصيرة، عن قنوات اتصال مفتوحة مع دمشق، برعاية من ​تركيا​ بشكل رئيسي، لكنها تلفت إلى أن السؤال الذي من المفترض أن يُناقش يتعلق بحجم قدرة السلطة الانتقالية في سوريا على الانفتاح من جديد على "حزب الله"، لا سيما أن هذا الأمر يتعارض مع السردية التي تقدمها.

في الصورة العامة، توضح المصادر نفسها أن دمشق تتبنى وجهة النظر التي تقوم على ألا حل في المنطقة من دون معالجة ملف السلاح القائم خارج إطار الدولة في العديد من البلدان، الأمر الذي كان العنوان الذي تمسكت به للتعامل مع "​قوات سوريا الديمقراطية​"، خصوصاً أن أنقرة نفسها، التي تُعتبر الداعم الأول لها، كانت تعتبر ذلك جزءاً من أمنها القومي، وبالتالي لا يمكن أن تتراجع عنه.

بالإضافة إلى ذلك، تدعو هذه المصادر إلى عدم تجاهل كيفية مقاربة السلطة الانتقالية السورية ملف "حزب الله"، حيث إنها سبق أن وجهت له الاتهامات بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي لديها، لا بل عملت على التسويق بأنها تعمل على مكافحة أنشطته المتعلقة بتهريب السلاح عبر الحدود، كورقة تعزز شرعيتها على المستوى الدولي، في ظل التحديات التي تواجهها في الشق المحلي.

بعد المواقف التي أدلى بها أمين عام "حزب الله"، برزت أخرى لوزير الخارجية السوري ​أسعد الشيباني​، أكد فيها دعم مساعي ​العراق​ ولبنان في تعزيز سيادتهما وحصر السلاح بمؤسساتهما الوطنية، بما ينهي أي زعزعة أو اضطراب للاستقرار في الاقليم، معتبراً أن "المنطقة تتجه بوضوح نحو إرساء قاعدة وحيدة للاستقرار، قوامها إنهاء أي تشكيلات مسلحة خارج الإطار الشرعي".

بناء على هذه المقاربة، تذهب المصادر السياسية المتابعة إلى طرح الكثير من علامات الاستفهام حول أساس الحوار المفترض بين الجانبين، على اعتبار أن العنوان الأهم على مستوى المنطقة يبقى التصورات لدى مختلف اللاعبين، حول ما بات يُعرف باليوم التالي في معظم الساحات التي كانت ولا تزال مسرحاً للحروب، بالرغم من وجود من يطرح فرضية التقاطع على التنسيق الذي لا يؤدّي إلى الصدام بين الجانبين، على اعتبار أن ذلك لا يصب في مصلحة ​طهران​ أو أنقرة.

في المحصلة، تشدد المصادر نفسها على أن كل الأمور تبقى متوقفة على معادلة أن ما يهم دمشق، في الوقت الراهن، هو أن تكون جزءاً من الترتيبات القائمة على المستوى الإقليمي، تحت المظلة التركية بشكل مباشر، الأمر الذي يتناقض، في نهاية المطاف، حُكماً مع الرؤية التي لدى "حزب الله"، لا سيما أن مقاربة أنقرة لتصورات اليوم التالي، التي تختلف مع ​تل أبيب​ بسبب الصراع على النفوذ، لا تتوافق مع مقاربة طهران، حتى ولو كان هناك نوع من التلاقي في بعض النقاط.