مرّ عام على الجلسة التي اتخذ فيها مجلس الوزراء ال​لبنان​ي واحدًا من أكثر قراراته حساسية منذ ​اتفاق الطائف​. ففي الخامس من آب 2025، كلّف المجلس ​الجيش اللبناني​ وضع خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، في خطوة نقلت ملفًا لطالما كان أساس الانقسام والجدل في الداخل من مستوى المواقف السياسية والبيانات الرسمية إلى مسار تنفيذي تتولاه المؤسسة العسكرية وتتابعه الحكومة.

بعد عام، بقيت الصلاحية القانونية والسياسية في مكانها. فالحكومة هي التي قررت حصر السلاح، والجيش هو الذي ينفذ خطتها، ومجلس الوزراء يتلقى تقاريره ويحدد مراحلها. لكن الذي تغير هو البيئة التي يُقاس فيها هذا التنفيذ، إذ لم يعد النقاش يدور داخل لبنان وحده حول مقدار ما أنجزته الدولة، وإنما أصبح تقييم هذا الإنجاز جزءًا من مفاوضات تربط انتشار الجيش اللبناني بانسحاب القوات ال​إسرائيل​ية من الأراضي التي ما زالت تحتلها.

ظهر هذا التحول بوضوح منذ بداية السنة. ففي 8 كانون الثاني أعلن الجيش تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطته جنوب الليطاني "بشكل فعّال وملموس"، مع استثناء المواقع التي بقيت تحت الاحتلال، والإشارة إلى استمرار العمل على الذخائر غير المنفجرة والأنفاق وبعض الإجراءات الميدانية. وفي 2 آذار، طلب مجلس الوزراء من الجيش المباشرة بتنفيذ الشق المتعلق بحصر السلاح شمال الليطاني، بعد قراره حظر النشاطات الأمنية والعسكرية لـ"​حزب الله​".

لكن الجولة السابعة من المفاوضات في روما أظهرت أن إعلان الدولة إنجاز مرحلة لا يقود تلقائيًا إلى المرحلة المقابلة في الانسحاب. فقد رفضت إسرائيل الانتقال إلى منطقة تجريبية جديدة في ​بنت جبيل​ أو ​الخيام​، فيما بقي البحث قائمًا حول التحقق من نتائج المراحل السابقة والجهة الثالثة التي يمكن أن تتولاه. وهكذا لم يعد السؤال متعلقًا فقط بحجم ما نفذه لبنان، وإنما بمن يملك أن يقول إن ما نُفذ يكفي للانتقال إلى الخطوة التالية.

من قرار سياسي إلى خطة عسكرية

لم يبدأ ملف حصر السلاح في آب 2025 من فراغ، فهو حاضر في اتفاق الطائف والقرارات الدولية والبيانات الوزارية المتعاقبة، كما شكّل جزءًا من النقاش اللبناني حول سلطة الدولة منذ سنوات. الجديد كان الانتقال من تثبيت المبدأ إلى تكليف الجيش وضع خطة بمراحل ومهمات تخضع لمتابعة السلطة التنفيذية. وقد رحّب مجلس الوزراء بعد شهر من ذلك، بالخطة التي قدمها قائد الجيش ​رودولف هيكل​، وأبقى مضمونها سريًا.

أعطى هذا المسار الدولة معيارًا داخليًا للتنفيذ، وكذلك قياس التقدم: المؤسسة العسكرية تحدد المهمات وتنفذها وترفع نتائجها إلى السلطة السياسية، فيما يقرر مجلس الوزراء مسار المراحل اللاحقة. حتى عندما أعلن الجيش تحقيق أهداف المرحلة الأولى جنوب الليطاني، لم يعتبر أن المهمة انتهت، وإنما فرّق بين ما تحقق وبين أعمال بقيت مطلوبة لاستكمال السيطرة، وربط جزءًا من الصعوبات باستمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.

بهذا المعنى، كان يمكن أن يبقى النقاش محصورًا في سؤال لبناني يتعلق بما أنجزته المؤسسة العسكرية وما تحتاج إليه لاستكمال خطتها. لكن استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتحول الانسحاب إلى عملية تدريجية مرتبطة بخطوات ميدانية متبادلة، أدخلا معيارًا آخر إلى المعادلة.

عندما أصبح الانسحاب مرتبطًا بالتنفيذ

مع اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في 26 حزيران، ثم الانتقال إلى تجربة "​المناطق التجريبية​"، دخل حصر السلاح في علاقة مباشرة مع الانسحاب الإسرائيلي. فالصيغة التنفيذية تقوم على تولي الجيش المسؤولية الأمنية في مناطق محددة، وإزالة السلاح والبنية العسكرية غير التابعة للدولة منها والتحقق من ذلك، بالتوازي مع إعادة انتشار إسرائيلية مرحلية.

هذا تحديدًا ما تقوم عليه فكرة المناطق التجريبية. تنسحب ​القوات الإسرائيلية​ من نطاق محدد، ينتشر الجيش اللبناني، تُزال البنى والسلاح غير الشرعي، ثم يجري التحقق من النتيجة قبل توسيع التجربة. وقد بدأ تطبيق النموذج في زوطر الغربية وفرون وصريفا، فيما حاول لبنان خلال الجولة السابعة نقل التجربة إلى منطقة أكبر عبر اقتراح بنت جبيل أو الخيام.

المشكلة ظهرت عندما لم توافق إسرائيل على الانتقال إلى منطقة جديدة، فيما دخل البحث في آلية التحقق والطرف الثالث الذي يمكن أن يتولاها مرحلة أكثر تقدمًا. عندها برز السؤال الذي تتجاوز دلالاته المناطق التجريبية نفسها: إذا اعتبرت الدولة والجيش أن منطقة ما باتت خاضعة لسلطتهما، فيما رأى الطرف الإسرائيلي أن الشروط الأمنية لم تتحقق بعد، فمن يملك قرار الانتقال إلى المرحلة التالية؟

عائقان أمام مسار واحد

لا يمكن اختصار التعثر بالعامل الإسرائيلي وحده. فالقرار واجه منذ البداية مشكلة داخلية تتمثل برفض "حزب الله" التخلي عن سلاحه وفق المسار الذي اعتمدته الحكومة، فيما يرفع الانتقال إلى شمال الليطاني مستوى التعقيد، لأن المسألة تتجاوز إزالة مواقع أو بنى عسكرية في منطقة مرتبطة مباشرة بالقرار 1701 إلى معالجة بنية عسكرية وسياسية تمتد داخل مناطق مأهولة وعلى مساحة أوسع.

في المقابل، تضع الدولة استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية ضمن العوامل التي تحد من قدرة الجيش على استكمال مهماته. وهذا ما قالته المؤسسة العسكرية نفسها عندما اعتبرت في كانون الثاني أن بقاء مواقع محتلة وإقامة مناطق عازلة والخروقات الإسرائيلية اليومية تنعكس سلبًا على بسط سلطة الدولة وحصر السلاح، إلى جانب تأخر وصول القدرات العسكرية الموعودة.

ينتج عن ذلك تداخل بين عائقين. إسرائيل تربط تقدم انسحابها بضمان عدم عودة السلاح، فيما يرى لبنان أن استمرار الاحتلال والاعتداءات يعرقل استكمال بسط سلطة الدولة. ومع غياب تسلسل حاسم بين المسارين، يستطيع كل طرف أن يعتبر أن الخطوة التالية يجب أن تبدأ عند الطرف الآخر، ليصبح الخلاف على ترتيب الالتزامات جزءًا من الخلاف على تعريف التنفيذ نفسه.

التحقق شيء والاعتراف بالنتيجة شيء آخر

سبق أن ظهر في المفاوضات سؤال الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الالتزامات، في ظل رفض لبنان أن يكون التقييم الإسرائيلي المنفرد أساسًا للحكم على أداء جيشه. لكن المشكلة التي تظهر بعد سنة على قرار حصر السلاح تتجاوز هوية المراقب نفسه، إذ أظهرت الجولة الأخيرة في روما أن الاتفاق على جهة تحقق، إذا حصل، لن يحسم وحده ما يترتب على نتائجها.

فالتحقق يمكن أن يكون عملية تقنية تحدد ما إذا كانت منطقة معينة خالية من وجود مسلح أو بنى عسكرية غير شرعية. لكن المشكلة تبدأ عند تحديد ما يترتب على نتيجته. فإذا أكد طرف ثالث أن الجيش نفذ المطلوب، هل يصبح الانتقال إلى الانسحاب الإسرائيلي التالي تلقائيًا، أم تبقى لإسرائيل القدرة على اعتبار الشروط غير مكتملة وطلب ضمانات إضافية؟

هنا ينتقل السؤال من هوية الجهة التي تتحقق إلى القوة التي تملكها نتيجة التحقق. فكلما بقيت شروط الانتقال بين المراحل غير محددة بدقة، أمكن أن تؤكد الدولة أنها نفذت، فيما يظل الانسحاب معلقًا بانتظار قبول الطرف الآخر بهذا التنفيذ. وعندها لا تعود المشكلة في معرفة ما حدث على الأرض فقط، وإنما في تحديد من يملك تحويل النتيجة الميدانية إلى خطوة ملزمة للطرفين.

هل يستطيع لبنان فصل المسارين؟

داخل لبنان، يمكن تمييز مقاربتين لهذه المشكلة. تنطلق الأولى من أن حصر السلاح يتعلق ببنية الدولة نفسها ولا يجوز رهنه بأي خطوة إسرائيلية، لأن احتكارها القوة وقرار الحرب والسلم يفترض أن يتحققا بصرف النظر عن مسار الانسحاب. ووفق هذه القراءة، يؤدي ربط التنفيذ بالموقف الإسرائيلي إلى منح إسرائيل قدرة غير مباشرة على التأثير في مسار يفترض أن يبقى لبنانيًا.

في المقابل، ترى مقاربة أخرى أن القرار اللبناني لا يجب أن يُترك خاضعًا لتقدير أحادي من إسرائيل، بحيث تحدد هي متى تعتبر أن لبنان نفذه بصورة كافية. ومن هنا يبرز طرح يقوم على التعامل مع حصر السلاح بوصفه مسارًا سياديًا داخليًا، ومع الانسحاب بوصفه التزامًا إسرائيليًا قائمًا بذاته، من دون أن يصبح تنفيذ الأول ثمنًا للحصول على الثاني.

لكن المناطق التجريبية تكشف صعوبة الفصل العملي بين المسارين، لأنها بُنيت أصلًا على تدرج متبادل بين الانسحاب وانتشار الجيش والتحقق. وهذا ما أعادته الجولة السابعة إلى الواجهة عندما اقترح لبنان توسيع التجربة، فيما رفضت إسرائيل الانتقال إلى منطقة جديدة وبقي الحسم مرتبطًا بنتائج التحقق من المراحل السابقة.

بعد سنة على قرار 5 آب، لم تعد المشكلة إذًا في أن الدولة اتخذت قرارًا ولم تفعل شيئًا لتنفيذه. فالجيش أعلن تحقيق أهداف مرحلة أولى، والحكومة نقلت الخطة إلى شمال الليطاني، فيما بقيت مهمة حصر السلاح غير مكتملة وبقي الاحتلال الإسرائيلي قائمًا في الوقت نفسه.

المفارقة أن قرارًا اتُخذ في بيروت بهدف تثبيت احتكار الدولة للقوة أصبح جزء من أثر تنفيذه يُحسم اليوم على طاولة التفاوض في روما. ومن هنا يتجاوز الاختبار المقبل عدد المواقع التي يتسلمها الجيش أو المناطق التي تنسحب منها إسرائيل إلى سؤال أكثر حساسية: هل يستطيع لبنان الاحتفاظ بملكية قراره، فيحصر السلاح لأنه صاحب السيادة، ويطالب بالانسحاب لأنه حق سيادي، من دون أن يتحول الاعتراف بتنفيذ الأول إلى حق للطرف الآخر في تقرير موعد تنفيذ الثاني؟